قوله: (وما خص به رسله من الآيات الكبرى والانتصار من [العدا] بتحميده) وما
خص به رسله عطف عَلَى القصص عطف الخاص عَلَى العام. الباء داخلة عَلَى المقصور
أَشَارَ إلَى أن العباد هم الرسل عبروا بها لأن العُبُوديَّة أشرف أوصافهم. قوله بتحميده متعلق
بأمر الأولى بحمده لكنه أَشَارَ إلَى أن الْمُرَاد المبالغة كَمًّا وَكَيفًا وهو المتحقق في ضمن
الشكر العرفي، ولذا قال شكرًا عَلَى ما أنعم عليهم وإن كان بالْقَوْل الْحَمْدُ للَّه لكن الْمُرَاد
الأمر بالتحميد؛ إذ هذا الْقَوْل ليس عمدًا بل يحصل به الحمد.
قوله:(وَالسَّلَامُ عَلَى المصطفين من عباده شكرًا على ما أنعم عليهم، أو علمه ما جهل من
أحوالهم وعرفانًا لفضلهم وحق تقدمهم واجتهادهم في الدين)وَالسَّلَامُ اللام من الحكاية لا
من المحكي عَلَى المصطفين أي الْمُخْتَارين من بين النَّاس بالرسالة والخصائص الروحانية
والجسمانية وبها استدل عَلَى فضلهم عَلَى الْمَلَائكَة والاصطفاء افتعال من الصفوة وهي
خيار الشيء. والْمَعْنَى اتخاذ صفوة الشيء ويدخل عَلَيْهِ السَّلَامُ في أنعم عليهم دخولًا أوليًّا
ولذا لم يقل ما أنعم عليهم وعليه، أو لأن إنعامهم إنعام عليه صلى الله تَعَالَى عليه وسلم
لأنهم كالكواكب يظهرن أنوار شمس رسالته عَلَيْهِ السَّلَامُ للناس في النظم، كما قال الإمام
البصيري في قصيدته. قوله وعلمه عطف عَلَى أنعم قوله وعرفانًا مَعْطُوف عَلَى شكرًا لتعليل
السلام والاكتفاء به دليل عَلَى جواز السلام بدون ذكر الصلاة وعلى جواز السلام عَلَى سائر
الأنبياء عليهم السلام بالأصالة.
قوله:(أو لوطًا بأن يحمده على هلاك كفرة قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة
من الفواحش والنجاة من الهلاك)أو لوطًا أي أمر لوطًا مَعْطُوف عَلَى قوله عَلَى رسوله أخّره
لاحتياجه إلَى تقدير وقلنا له، وأَيْضًا هذا التَّعْبير شائغ في الْأَنْبيَاء ويلزم أن يكون السلام عَلَى
غير الْأَنْبيَاء بالأصالة؛ إذ الظَّاهر أن العباد مختصة بقوم لوط ممن آمن به. وقيل تعمهم أيضًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بتحميده متعلق بأمر. أي أمر رسوله بتحميده اعلم أن قَوْلُه تَعَالَى: (قل الحمد لله)
يمكن أن يوجه عَلَى وَجْهَيْن. الأول: أن يكون ابتداء كلام مصدر بالتحميد غير متصل
بما قبله من القصة فيكون من باب الاقتضاب فيكون الْمَذْكُور في علم البديع وهو الخروج مما
شبب الْكَلَام به إلَى المقصود من غير رعاية ملاءمة بَيْنَهُمَا، ومنه ما يذكر في الخطب بعد الْحَمْدُ للَّه
والصلاة عَلَى نبيه ويقال أما بعد وهَاهُنَا أَيْضًا قد أمر عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بأن بيتدئ[بالتحميد
والتسليم]لتلاوة الآيات الناطقة بالبراهين وهي قوله (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ(59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ). إلَى آخر الآيات. والثاني أن يكون متصلًا بما قبله فيكون من باب
التخلص الْمَذْكُور في علم البديع أَيْضًا وهو الخروج من كلام إلَى المقصود برعاية ملائمة بَيْنَهُمَا
بذكر كلام بينهما هُوَ واسطة لربط المقصود بالْكَلَام الأول وهَاهُنَا جعل التحميد عَلَى الهالكين من
كفار الأمم والصلاة عَلَى الْأَنْبيَاء وإشاعتهم ذريعة عَلَى الشروع في قصته - صلى الله عليه وسلم - مع مشركي قومه وأن
له ولهم أسوة بالأمم الْمَاضية والأمم الخالية اقتصر القاضي رحمه الله من هذين الوَجْهَيْن عَلَى
الوجه الثاني وذكر صاحب الكَشَّاف الوجه الثاني أَيْضًا حيث قال: وقيل متصل لما قبله وأمر
بالتحميد عَلَى الهالكين من كفار الأمم والصلاة عَلَى الأنبياء [عليهم السلام وأشياعهم] الناجين.