التشبيه حال الجبال بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفائها كما في قوله تَعَالَى:
(وتكون الجبال كالعهن المنفوش) وهذا أَيْضًا مما يقع بعد النفخة الثانية
عند حشر الخلق انتهى. والأولى عدم الجزم بذلك .
قوله: (مصدر مؤكد لنفسه وهو لمضمون الجملة المتقدمة كقوله(وَعَدَ اللَّهُ)
أي أكد مضمون جملة لا يحتمل غيره نحو: له عليَّ ألف درهم اعترافًا.
والعامل فيه مَحْذُوف وجوبًا لقيام الْجُمْلَة المؤكدة مقامه كما بين في موضعه. والْمَعْنَى
صنع الله ذلك التسيير والنفخ في الصور وما يترتب عليه بأسره صنعًا. أي فعله فعلًا تامأ
مشتملًا عَلَى حكم كثيرة ومنافع عظيمة، والتَّعْبير بالصنع للتنبيه عَلَى ذلك والْإضَافَة إلَى
الاسم الجليل لتربية المهابة وتزييد المهابة وصفه بالذي أتفن كل شيء. أي أحكمه
وسوَّاه عَلَى ما يقتضيه حاله كقوله (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) صورته وشكله الذي يطابق
كماله الممكن له، والمص عدل عَمَّا في الكَشَّاف من قوله (صنع الله) مؤكد مَحْذُوف وهو
الناصب لـ يوم ينفخ. والْمَعْنَى ويوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين
وعاقب المجرمين، ثم قال (صنع الله) يريد به الإثابة والمعاقبة وجعل هذا الصنع من جملة
الأشياء التي أتقنها، ولم يرض به المص لما مَرَّ من أن الْجُمْلَة المتقدمة قائمة مقام
العامل الْمَحْذُوف فلا يكون حذفها جائزًا، وأَيْضًا الْمَشْهُور كونه مؤكدًا للجملة المتقدمة
وهنا يصح أن يكون مؤكدًا للجملة المتقدمة، فلا وجه لاعْتبَار جملة مَحْذُوفة وإن سلم
أنها كالْمَذْكُور لقيام الدليل عليه، ولا شك أن تسيير الجبال لا سيما إذا كان الْمُرَاد
التسيير في جو الهواء وبعد تفتت الأجزاء من الصنع المتقن وذكر الحسنة بعده لأنه
شروع في بيان أحوال المكلفين بعد ذكر علامات الْقيَامَة .
قوله: (أحكم خلقه وسوَّاه على ما يَنْبَغي) أي سوى خلقه بأن جعل له ما به يتأتى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: مصدر مؤكد لنفسه. أي قوله (صنع الله) مصدر منصوب من المصادر المؤكدة كقوله:
(وعد الله) و (صبغة الله) إلا أن ما أكده هذا المصدر وهو الْفعْل
النَّاصب لـ يوم ينفخ محذوف. والْمَعْنَى يوم ينفخ في الصور جازى الله عباده مجازاته فعبر عن
المجازاة بالصنع فقيل صنع الله بدل مجازاة الله تعبيرًا بالعام عن الخاص، وجعل هذا الصنع من
جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها عَلَى الْحكْمَة والصواب حَيْثُ قال(صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ
شَيْءٍ)قوله وهو لمضمون الْجُمْلَة المقدمة. أي هُوَ مصدر لما تضمنه الْجُمْلَة المتقدمة من الْفعْل
النَّاصب لـ يوم مثل جازى أو أثاب وعاقب فيكون مَفْعُولًا مُطْلَقًا من غير لفظ فعله كقعدت جلوسًا.
غير أن المصدر في الآية اسم من مصدر ناصبه لكن لصحة حمله عليه جعلًا كالمرادفين فصح بهذا
الاعتبار أن يؤكد هُوَ به والمصدر في المثال المضروب مرادف لمصدر ناصه بلا تأويل، ويجوز أن
يقدر عامله الذي نصب يوم لفظ صنع. أي يوم ينفخ في الصور صنع اللَّه بهم صنعه الذي أتقنه عَلَى
مقتضى حكمته وكأنه رحمه الله أراد بقوله لنفسه هذا الوجه فيكون ردًا عَلَى صاحب الكَشَّاف حيث
قدر الناصب أثاب وعاقب .