وجه التمريض لأنه يفيد بظاهره أن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ صبر إلَى أن يفرغ الرعاء عن سقي
مواشيهم ووضع الحجر عَلَى رأس البئر وهو بعيد، ولأنها إذا كانت عادتهم ذلك فَكَيْفَ كانا
يسقيان، إلا أن يقال إن الأمر وقع كَذَلكَ في ذلك اليوم لأمر دعى إليه ولم يكن ذلك عادة
لهم ولأنه يخالف ظَاهر ما روي أنهما لما رجعتا إلَى أبيهما قبل النَّاس قال لهما ما
أعجلكما قالتا وجدنا رجلًا صالحًا رحمنا فسقى لنا وهذا ليس بظَاهر فيه لجواز أن يكون
تأخّر النَّاس لعائق يعوقهم. وقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ ما أعجلكما؟ يجوز أن يكون رجوعهما إليه
على خلاف العادة أو تأخّر النَّاس لعائق كما مَرَّ، وأن الظَّاهر في مثله بيان الْقَوْلين في هذا
السقي لا الإشَارَة إلَى ضعفهما حيث لم يذكر أحدهما بدون قيل وهو المُتَعَارَف في التزييف
والْمُرَاد بالوصب الضعف وجراحة القدم هذا بناء عَلَى العادة وإلا فمن أية جهة علمت
وترك مثل هذا في شأن الأبرار أمس بحسن الأدب .
قوله: (وقيل كانت بئرًا أخرى عليها صخرة فرفعها واستقى منها) رجحه المحشي
الفاضل ومع هذا عبره بقيل. فالظَّاهر ما ذكرنا غاية الأمر أن الْقَوْل الثاني أوفق بما بعده وبأنه
زاحمهما عَلَى الماء حتى سقى لهما، وأما وصفهما بالْقُوَّة فينتظم كلا الْقَوْلين .
قوله: (ثُمَّ تَوَلَّى) كلمة التراخي لأن التولي عنهما متراخ بالنسبة إلَى مبدأ السقي وإن
اتصل بآخره إلَى الظل الذي كان هناك .
قوله: (لأي شيء أنزلت إليَّ) إشَارَة إلَى أن (ما) نكرة مَوْصُوفة لا موصولة لعدم
القصد إلَى معين وأنزلت بمعنى أعطيت مَجَازًا ؛ إذ الْإنْزَال وهو التحريك من الأعلى إلَى
الأسفل يستلزم الإعطاء ولا بعد أن يراد الْإنْزَال من جهة العلو بطَريق خرق العادة
فالْإنْزَال عَلَى حقيقته .
قوله: (قليل أو كثير) مُسْتَفَاد من التَّعْبير بـ ما نكرة مَوْصُوفة .
قوله: (وحمله الأكثرون عَلَى الطعام) بمعونة المقام ؛ إذ وقت النداء وقت الجوع .
قوله: (محتاج سائل ولذلك عُدِّيَ باللام) محتاج الخ. لما عندي الفقير بـ إلى مع أن
تعدية باللام أَشَارَ إلَى أنه ضمن معنى الاحتياج فيتعدى بـ إلى كالاحتياج. قوله سائل إذ
الاحتياج يستلزم السؤال .
قوله: (وقيل معناه إني لما أنزلت إلى من خير الدين صرت فقيرًا في الدنيا؛ لأنه كان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
وأغاثهما وكفاهما أمر السقي في مثل تلك الزحمة بقوة قلبه وقوة ساعده وما آتاه الله من الفضل في
متانة الفطرة ورصانة الجبلة .
قوله: ولذلك عُدِّيَ باللام. أي ولكون فقير بمعنى [سائل] عُدي تعديته، يقال هُوَ سائل لذلك
الشيء ولا يقال هُوَ سائل إلَى ذلك الشيء ولولا تضمنه معنى السؤال لكان حقه أن يعدى بكلمة
إلى ويقال إلى ما أنزلت إليَّ ؛ إذ يقال افتقر إليه ولا يقال افتقر له .
قوله: وقيل معناه إني لما أنزلت إلي من خير الدين صرت فقيرًا في الدُّنْيَا، وهذا عَلَى أن اللام