[للصانع] فلا جرم أن مراده نفي المعلوم وقد عرفت أَيْضًا أن قوله:(لعلي أطلع إلَى إله
مُوسَى)من باب مجاراة الخصم.
قوله:(قيل أول من اتخذ الآجر فرعون ولذلك أمر باتخاذه على وجه يتضمن تعليم
الصنعة مع ما فيه من تعظم ولذلك نادى هامان باسمه بيا في وسط الكلام)قيل أول الخ. استدل
عليه بقوله ولذلك أمر الخ. يعني أمره بقوله: (فأوقد لي عَلَى الطين) ولم يقل
اطبخ لي الآجر ونحوه فقوله أوقد لي الخ. تعليم صنعة الآجر. قوله مع ما فيه من تعظيم أي في
الأمر من تعظيم فإنه كان وزيره فأمره بالإيقاد عَلَى الطين الذي هُوَ عمل أسافل النَّاس فهو تعظيم
منه والكل ضعيف أما أولًا فلأن قوله: (فأوقد لي) لا يدل عَلَى صنعة تعليم
صنعة الآجر قال تَعَالَى: (ومما يوقدون عليه في النَّار ابتغاء حلية) الآية.
فكما لا يدل هذا عَلَى تعليم صنعة ذلك لا يدل أَيْضًا ذلك عَلَى التعليم، وأما ثانيًا فلأن
الأمر بهامان وإسناد البناء إليه مجاز عقلي، كَمَا صَرَّحَ به أئمة الْمَعَاني والخطاب أولا للملأ
ثم الخطاب ثانيًا لهامان يشعر نوع التعظيم به والنداء باسمه لكمال التمييز من الملأ
الْمَذْكُورين أولًا وتوسيط الْكَلَام للمبادرة إلَى دفع اشتباه كون الأمر لغيره من الملأ، ولعل
لهذا مرضه ولم يرض به مع أنه قليل الجدوى وخلاف الفحوى. وقيل قاله اللعين بعدما
جمع السحرة وتصدى للمعارضة فكان من أمرهم ما كان من المغلوبية انتهى. فحِينَئِذٍ لا
يبعد أن يكون ذلك المقال لكمال الحيرة والتنزل عن ادعاء السلطنة كما قال (ماذا تأمرون)
فأنى له التعظيم في تلك الحالة الهائلة الداعية إلَى التنزل عَمَّا كان فيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولذلك نادى هامان باسمه ينافي وسط الْكَلَام أي [وقصد] التعظم والتجبر نادى هامان باسمه
فإن ذكر شخص باسمه وتصريحه به تعظم وتجبر عليه خصوصًا إذا ذكره بـ يا الدَّالَّة عَلَى البعيد. قال
صاحب المفتاح يا في مثل هذا المقام تبعيد للمنادى وإيذان بالتهاون به خموصًا إذا ذكره في وسط
الْكَلَام بعد الأمر بالإيقاد والمعهود المُتَعَارَف في النداء أن ينادى الرجل أولا وينبه ويوقظ عن سنة الغفلة
ثم يؤمر وقد خالف المعهود بتأخير نداء المأمور عن الأمر تهوينًا للمأمور بتأخير ذكره وتعظمًا عليه. روي
أنه لما أمر ببناء الصرح جمع هامان حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأُجراء وأمر بطبخ
الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق وكان
الباني لا يقدر أن يقوم عَلَى رأسه فبعث الله جبرائيل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث
قطع وقعت قطعة عَلَى عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل ووقعت قطعة في البحر، وقطعة في المغرب
ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك. ويروى في هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو
السماء فأراد الله أن يفتنهم فردت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال قد قتلت إله مُوسَى فعندها بعث الله
جبْريل لهدمه والله أعلم بصحته وإن صح ما حكي من رجوع النشابة إليه ملطوخة بالدم فهو تهكم به
بالْفعْل كما جاء التهكم بالْقَوْل في غير موضع من كتاب الله بنظرائه من الكفرة.