قوله:(أي وكم من أهل قرية كانت حالهم كحالهم في الأمن وخفض العيش حتى
أشروا فدمر الله عليهم وخرب ديارهم)أي ولم من أهل قرية أي الْمُضَاف مَحْذُوف أو
القرية مجاز عن أهلها وقد مَرَّ التَّنْبيه عليه غير مرة. وإسناد بطرت إلَى القرية مجاز وإن أريد
بها أهلها أو يقدر الأهل فالإسناد حَقيقَة والبطر أن لا يحفظ حدود الله تَعَالَى في الغنى
والفخر به أشار إليه بقوله حتى أشروا، والأشر الفرح والغرور، ومعيشتها نصب بالحذف
والإيصال أي بمعيشها أو في معيشتها أو بتقدير الزمان أي أيام معيشتها أو مَفْعُول به عَلَى
تضمين بطرت معنى كفرت كما في الكَشَّاف قوله فدمر الله الخ. أي يدمركم ويخرب
دياركم يا أهل مكة لأن سبب تدميركم متحقق أَيْضًا فيدمركم كما دمرهم، وفيه تخويف
شديد وتهديد أكيد لأهل مكة ومن يحذو حذوهم.
قوله: (خاوية) أي خالية عن الساكنين فيها.
قوله:(من السكنى إذ لا يسكنها إلا المارة يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، أو لا يبقى من يسكنها
من شؤم معاصيهم)من السكنى، والْمُرَاد بالسكنى التوطن. قال ابْن عَبَّاسٍ رضي الله تَعَالَى
عنهما: لم يسكنها إلا المسافر. ولذا قال المص لا يسكنها إلا المارة الخ. فحِينَئِذٍ يكون معنى
(إلا قليلًا) إلا زمانًا قليلًا وفيه احتمال آخر أشار إليه بقوله أو لا يبقى من يسكنها إلا قليلًا من
شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم فكل من سكن من أعقابهم ومن بعدهم لم يبق
فيها إلا قليلًا ممن سكن فيها فإنهم باقون إلَى حين وإلى أن يأتيهم اليقين رحمة من الله
تَعَالَى وتفضلًا، وإنَّمَا قيل (فتلك مساكنهم) لأن أهل مكة يشاهدون في أسفارهم المساكن
الْمَذْكُورة وصيغة البعد للتحقير أو للتعظيم إن أريد مساكنهم العامرة الطيبة الكريمة كقوله
تَعَالَى: (ومقام كريم) .
قوله: (منهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم وسائر متصرفاتهم،
وانتصاب مَعِيشَتَها بنزع الخافض أو بجعلها ظرفًا بنفسها كقولك: زيد ظني مقيم، أو بإضمار
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وخفص العيش. الخفض الدعة والسعة في العيش يقال عيش خافض وهو في خفض
من العيش. قوله من السكنى يقال سكنت داري وأسكنتها غيري والاسم منه السكنى فقوله (إلا قليلًا)
معناه إلا سكنى قليلًا فيكون قليلًا صفة للمَفْعُول المطلق لقوله (لم تسكن) .
قوله: إذ لا يسكنها إلا المارة. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - لم يسكنها إلا المسافرون ومارو الطريق يومًا أو
بعض يوم.
قوله: أو لا يبقى من يسكنها. أي أو لا يبقى فيها من يسكنها بعد المهلكين لبقاء شؤم أثر
معاصيهم فيها، وكل من سكنها من أعقابهم هلك ولم يبق إلا قليلًا.
قوله: بنزع الخافض. أي انتصابها بحذف الجار وإيصال الْفعْل كقوله: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ)
أي بطرت في معيشتها أو بجعل المعيشة ظرفًا بنفسها لا بواسطة كلمة في سماها