من سرق قطعناه، ومن زنى غير محصن جلدناه ومن زنى محصنًا رجمناه، فقال قارون ولو
كنت قال: ولو كنت، قال إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة فأحضرت، فناشدها
موسى عليه السلام بالله أن تصدق فقالت: جعل لي قارون جُعْلًا على أن أرميك بنفسي)
ليرفضوه أي ليترك بنو إسْرَائيل اتباعه. فبرطل أي أعطى البِرطيل بكسر الباء وهو الرشوة
واستعملوا البِرطيل في الرشوة وإن لم يوجد في كلام العرب القديم. والبغية الزانية، ورميها
أن تقول: إنه عَلَيْهِ السَّلَامُ زنا بها كما سيجيء. قوله ولو كنتَ أي ولو كنتَ أنت زانيًا ترجم
إذ لا احتمال للأول لكونه محصنًا، وكذا الْكَلَام في قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ ولو كنتُ فناشدها أى
أقسم عليها باللَّه أن تصدق أي لأن تتكلم بالصدق ما سبب ذلك فقالت: جُعْلًا بضم الجيم
وسكون العين أي رشوة وهي المرادة وأصل الجعل الأجرة وذلك الجعل ألف دينار. وقيل
طشتا من ذهب مملوءة ذهبًا.
قوله:(فخر موسى شاكيًا منه إلى ربه فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت فقال: يا
أرض خذيه فأخذته إلى ركبتيه، ثم قال خذيه فأخذته إلى وسطه، ثم قال خذيه فأخذته إلى عنقه،
ثم قال خذيه فخسفت به وكان قارون يتضرع إليه في هذه الأحوال فلم يرحمه، فأوحى الله
إليه ما أفظك استرحمك مرارًا فلم ترحمه)فخر موسى أي سقط عَلَى الْأَرْض ساجدًا
متضرعًا إلَى ربه، وفيه دليل عَلَى أن المتضرع يَنْبَغي أن تكون مناجاته في السجدة فاستجيب
له فقال يا أرض خذيه فأخذته إلَى ركبته ثم قال خذيه فأخذته إلَى وسطه ثم قال خذيه
فأخذته إلَى عنقه قاله خذيه فأطبقت عليه. فأشار إليه المص إجمالًا. وكان قارون يتضرع إليه
في هذه الأحوال فلم يرحمه بالعفو لشدة غضبه في الله تَعَالَى حيث أسنده [إلى] الأشنع من قبائح
الْإنْسَان. قيل فعذب بما يناسب ما افتراه من الجريمة، ولا يخفى أن من قذف محصنًا يرجم
بخسف الْأَرْض. ما أفظك أفعل التعجب من فظ إذا غضب شديدًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
أن تصدق، فتداركها الله فقالت: كذبوا، بل جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك لنفسي، فخرّ موسى ساجدا يبكى وقال: يا رب، إن كنت رسولك فاغضب لي. فأوحى إليه:
أن مر الأرض بما شئت، فإنها مطيعة لك. فقال: يا بنى إسرائيل، إنّ الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معنى فليعتزل، فاعتزلوا جميعا غير رجلين ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى عليه السلام ويناشدونه بالله والرحم، وموسى لا يلتفت اليهم لشدّة غضبه، ثم قال: خذيهم، فانطبقت عليهم «1» . وأوحى الله إلى موسى: ما أفظك: استغاثوا بك مرارا فلم ترحمهم، أما وعزتي لو إياى دعوا مرة واحدة لوجدوني قريبا مجيبا، فأصبحت بنو إسرائيل يتناجون بينهم: إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله].