العلماء. وفي التوضيح إشَارَة إليه وقد صرح شراح الْحَديث عموم العمل إلَى أفعال الْقُلُوب
في حديث: (إنما الْأَعْمَال بالنيات) فمن أنكر ذلك فقد اختل عمل قلبه، وما في الراغب من
أن العمل ما كان عن قصد لا يمنع إطلاقه عَلَى فعل القلب لأنه أَيْضًا صادر عن قصد ولو
باعْتبَار مبادئه .
قوله: (أن يفوتونا فلا نقدر أن نجازيهم على مساويهم) هذا ملائم لكون الْمُرَاد الكفرة
دون الْمُؤْمنينَ، إلا أن يقال إن إصرارهم عَلَى المعاصي نزل منزلة من يتوقع ذلك فهذا
الحسبان ليس بحقيقي بل اسْتعَارَة تمثيلية فتأمل وكن عَلَى بصيرة .
قوله: (وهو ساد مسد مفعولي حَسِبَ [لاشتماله على مسند ومسند إليه ويجوز أن يضمن حَسِبَ معنى قدر أو أم] منقطعة والإِضراب فيها لأن هذا الحسبان
أبطل من الأول ولهذا عقبه بقوله: (ساءَ مَا يَحْكُمُونَ) وهو ساد لاشتماله
المسند والمسند إليه كقَوْله تَعَالَى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) وأم
منقطعة لفقد شرط الاتصال وهو كون مدخولها مفردًا أو في حكم المفرد وكونها لأحد
الشيئين أو الأشياء وهنا ليس كَذَلكَ ؛ إذ الحسبان كلاهما واقعان منهم وإن قطع النظر عنه
يحتمل أن تكون متصلة ؛ إذ الفعلان فاعلهما متعد عند الزَّمَخْشَريّ والتَّعْبير بالموصول
للتسجيل عَلَى سوء صنيعهم، ولذا أقيم الظَّاهر مقام المضمر. قوله والإضراب الخ. مبتدأ خبره
لأن هذا الحسبان أبطل من الأول ؛ إذ فيه نفي القدرة إما اعتقادًا أو تنزيلًا كما عرفته أو تنزيلًا
فقط عَلَى ما اختاره الزَّمَخْشَريّ، وأما في الأول فلا نفي للقدرة ولو تشبيهًا وتنزيلًا .
قوله: (أي بئس الذي يحكمونه، أو حكمًا يحكمونه حكمهم هذا فحذف
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
بما يقابله الحق في السيئات التي هي قبائح الْأَعْمَال اضطره إلَى أن يجعل العمل أعم .
قوله: أن يفوتونا فلا نقدر أن نجازيهم، وهم لم يحسبوا الفوت والسبق حَقيقَة ولم يطمعوا فيه
ولكنهم لغفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة وإصرارهم عَلَى المعاصي في صورة من يحسب ذلك
ويطمع فيه فإنهم لا يشكون في الْجَزَاء لكنهم نزلوا بسَبَب جريهم عَلَى غير موجب العلم وهو
غفلتهم وإصرارهم عَلَى المعاصي منزلة من لم يتيقن الْجَزَاء. أي لو اعتقدوه ما أصروا عَلَى
المعاصي. قوله وأم منقطعة الْمَعْنَى بل أحسب والإضراب فيها أي في هذه الآية لأن هذا الحسبان
أبطل من الحسبان الأول لأن الأولين يقدرون أنهم لا يمتحنون في إيمانهم وهَؤُلَاء يظنون أنهم لا
يجاوزون بسيئاتهم .
قوله: أي بئس الذي يحكمونه أو حكمًا يحكمونه، وهو حكمهم هذا يعني ساء بمعنى بئس
ولفظ ما يحتمل أن يكون معرفة موصولة بمعنى الذي أو نكرة مَوْصُوفة بمعنى شيء، فهو عَلَى الأول
مرفوعة المحل عَلَى أنها فاعل بئس وعلى الثاني منصوبة عَلَى أنها مفسرة لما في بئس من الضَّمير
المبهم والْمَخْصُوص بالذم عَلَى التقديرين مَحْذُوف وهو حكمهم، فالْمَعْنَى عَلَى الأول بئس الذي
يحكمونه حكمهم هذا وهو حسبانهم أن يسبقوا خالقهم وينجوا عن مجازاته عَلَى أعمالهم وعلى
الثاني بئس شيئاً حكمهم هذا، وقد أخذ رحمه الله ما هُوَ محصل كلام العلماء فيه فإن المالكي قال:
(ما) في موضع نصب وهي نكرة أي شيئاً يحكمونه. وقيل ما في مَوْضع رفع وهي معرفة أي أي [ساء]
الشيء الذي يحكمونه. وقال ابن كيسان (ما) مع الْفعْل مصدر في موقع رفع أي ساء حكمهم .