عدم تيقنهم برسالتك وسائر ما يجب عليهم تصديقه بسَبَب أنهم شاكون وهذا من باب
الاكتفاء بالأدنى وإلا فأكثرهم جازمون. قوله ولا يستبدع أي لا يستغرب منهم ذلك التَّكْذيب
والإيذاء أشار به إلَى أن حملهم إياك عَلَى الخفة بالتَّكْذيب والإيذاء منشأه عدم تيقنهم ومن
كذب وآذى مع تيقنه قليل لا يعبأ به، عَلَى أن تيقنهم في حكم العدم وعلم من هذا البيان أن
قوله: فإنهم شاكون ضالون تفسير لقوله: (لا يوقنون) لا تعليل لقوله:(لا
يستخفنك)حتى يقال لا وجه لبيان عذر الكفرة في مقام ذمهم وتقبيح حالهم
على أنه لا ضير في كونه تعليلًا لذلك وليس هذا بيان عذر الكفرة بل لبيان شدة شكيمتهم
وإصرارهم عَلَى ذلك بحَيْثُ لا يلتفتون لفت الحق ويؤيده. قوله ولا يستبدع منهم ذلك، ولما
لم يكن هذا مستبعدًا منهم لا وجه لاضطرابك بسَبَب التَّكْذيب والإيذاء .
قوله:(وَقُرئَ «ولا يستحقنك» أي لا [يزيغنك] فيكونوا أحق بك مع المؤمنين. عن رسول
الله صلّى الله عليه وسلّم «من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ملك سبح الله بين
السماء والأرض وأدرك ما ضيع في يومه وليلته») وَقُرئَ «ولا يستحقنك» بفتح الحاء المهملة
والقاف مع النون الثقيلة من الشواذ قارئه ابن أبي إسحاق ورويت عن يَعْقُوب ومعناه كما في
الكَشَّاف لا يفتننك. قوله لا يزيغوك أي لا يميلوك إلَى جانبهم بالاستمالة إلَى بَعْضٍ
مسئولهم كما مَرَّ في سورة الإسراء. فيكُونُوا أحق بك بيان لازم معناه مَجَازًا، وما رواه
فموضوع. تم ما يتعلق بسورة الروم بعون عناية الحي القيوم، والْحَمْدُ للَّه الملك الوهاب
والصلاة وَالسَّلَامُ عَلَى أفضل من أوتي الْحكْمَة وفصل الخطاب وعلى آله وأصحابه الَّذينَ
نطقوا بالصواب، يوم الأحد الثالث والعشرين من صفر الخير سنة 1189 .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وَقُرئَ «ولا يستحقنك» من الاستحقاق أي لا يفتننك ولا [يزيغنك] فيملكوك ويكُونُوا أحق
بك من الْمُؤْمنينَ. فاعل لا يستخفنك عَلَى القراءتين الَّذينَ لا يوقنون عَلَى طريقة: لا أرينك هَاهُنَا.
والْمَعْنَى لا تكن بحيث يحملونك عَلَى الخفة والقلق جزعًا مما يقولون ويَفْعَلُونَ .
قوله: لا تجزع من فعلهم وقولهم، فيحملك الجزع عَلَى الخفة والعجلة فيمنعك من تبليغ
الرسالة كقَوْله تَعَالَى: (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) واللَّه أعلم . هذا آخر ما
أمليته في شرح تفسير سورة الروم الْحَمْدُ للَّه عَلَى الابتداء والاختتام . وله الشكر في البدء والإتمام.
اللهم إني أستفيضك من فيضك بفضلك فيما سأشرع فيه من حل ما في تفسير سورة لقمان لا حول
إلا بك ولا قوة إلا منك، فأقول: سورة لقمان مكيَّة وهي أربع وثلاثون وقيل ثلاث وثلاثون آية.