فكما أن المسافر ينتقل من مَوْضع من الأمكنة إلَى مَوْضع آخر كَذَلكَ ينقل الْقَوْل
الْمَذْكُور من لسان إلَى لسان آخر، وأَيْضًا السائر من السؤر بمعنى البقية وقد يستعمل
بمعنى الجميع. والْمَعْنَى حِينَئِذٍ للْقَوْل السائر أي المتداول في جميع ألسنة البلغاء، والمراد
بالمضرب المحل الذي استعمل فيه بعد اسْتعْمَال قائله الأول في المورد بكسر الراء
المَوْضع الذي ورد فيه الْقَوْل مرادًا به الْمَعْنَى الحقيقي وفي اختيار الْقَوْل إشَارَة إلَى أنه
يجب تركيبه؛ إذ الْقَوْل في العرف هُوَ اللَّفْظ المركب تامًا أو ناقصًا، والْمُرَاد هنا المركب
التام وقد ذهب بعضهم إلَى أن الْقَوْل هُوَ المركب التام لكنه غير مَشْهُور وكذا يعتبر فيه
أن يكون اسْتعْمَاله عَلَى سبيل الاسْتعَارَة ويسمى اسْتعَارَة تمثيلية وفي كلامه إشَارَة إليه
حيث قال ولذلك حوفظ الخ. فإن هذه العبارة في ألسنة أهل البيان شائعة في الاسْتعَارَة
التمثيلية قيل وقد ذكر المتقدمون في تصانيفهم المعمولة لبيان أمثال العرب أمثالا كثيرة
مستعملة في معناها الحقيقي كقولهم السعيد من اتعظ بغيره وأمثالًا مصرحًا فيها بالتشبيه
كقولهم لمن يخاف شره ويشتهي قربه كالخمر يشتهي شربها ويخشى صداعها وغير
ذلك مما لا يحصر أمثاله فَكَيْفَ يشترط فيه أن تكون اسْتعَارَة مركبة فاشية انتهى. أراد
به الاعتراض عَلَى الشَّيْخَيْن في [اشتراطهما] أن تكون الأمثال اسْتعَارَة مركبة لانتقاض ذلك
الاشتراط بالأمثال الْمَذْكُورة ولهما أن يجيبا عنه بأن إطلاق المثل عَلَى ما نقله من
المتقدمين عَلَى سبيل التشبيه في الغرابة. قال الْمُصَنّف في قَوْله تَعَالَى:(ولقد صرفنا
للناس من كل مثل)من كل معنى هُوَ كالمثل في غرابته انتهى. وأيضًا
الأمثال التي يصرح فيها بالتشبيه تسمى تشبيه تمثيل ولم يدع الشيخان كل مثل فهو
اسْتعَارَة تمثيلية بل صرحا أن المحل يستعمل في ثلاثة معانٍ وكل مَوْضع صرح فيه عنوان
المثل فالْمُرَاد به تشبيه تمثيل لا اسْتعَارَة وسيجيء من الْمُصَنّف التَّنْبيه عليه حيث قال
والظَّاهر أن التمثيلين من جملة التمثيلات المؤلفة ثم قال ذلك القائل، وأما ما ذكروه فلا
يلائم أن ما نحن فيه من أمثال الْقُرْآن أَيْضًا ليس داخلًا في تعريفهم لأن الله تَعَالَى
ابتدأها وليس لها مورد قبله فإنَّ اللَّهَ لا يستحيي أن يضرب مثلا مع أنها تشبيهات لا
اسْتعَارَة انتهى. فقد عرفت اندفاعه مما ذكرنا من أن الذي عبر بعنوان المثل تشبيه
تمثيل ومراده بقوله ثم قيل للْقَوْل السائر الخ. إن اللَّفْظ المركب إذا أريد به الْمَعْنَى
المجازي الذي شبه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل كما يقال للمتردد في أمر إني أراك
تقدم رجلا وتؤخر أخرى، وهذا الْمَجَاز يسمى التمثيل عَلَى سبيل الاسْتعَارَة ومتى فشا
اسْتعْمَاله كَذَلكَ يسمى مثلًا. قوله لأن الله تَعَالَى ابندأها وليس له الخ. مدفوع بأن المراد
بالمورد أعم من أن يكون حَقيقَة أو حكمًا أو تعريفهم بناء عَلَى الأغلب أو هذا
اصْطلَاح جديد لأهل الْمَعَاني كما زعم المعترض وهذا كله بناء عَلَى أن عدم التفرقة
بين العببر بعنوان الأمثال وبين اللَّفْظ المركب المستعمل في غير الموضوع له بعلاقة