فأَشَارَ إلَى دفعه بأن الْمُرَاد بالَّذينَ كَفَرُوا المقتولون منهم فيه أي في يوم الفتح أو في يوم
بدر فإنه لا ينفعهم إيمانهم أن آمنوا حال القتل كما لم ينفع فرعون إيمانه عند إدراك الغرق
فمعنى لا ينفعهم إيمانهم ما مَرَّ من أنهم إن آمنوا حال القتل فإنه إيمان يأس كإيمان فرعون
كما عرفته فـ [حِينَئِذٍ] الإيمان متحقق والمنفي هُوَ نفعهم وإن أريد به قوم مَخْصُوصون وهم الَّذينَ
استهزووا واستعجلوا عنادًا واستكبارًا وقَالُوا (متى هذا الفتح) عَلَى إقامة المظهر مَوْضع
المضمر كما نقل عن الطيبي فيكون من باب: عَلَى لا حبٍ لا يهتدي بمناره أي لا إيمان
فضلًا عن النفع فالمنفي القيد والمقيد معًا، والتَّخْصِيص ليس بمستحسن فالتعميم هُوَ الأنسب
للمقام ويدخل هَؤُلَاء المُسْتَهْزئُونَ دخولًا أوليًّا فالْمُرَاد بالموصول الجنس لا العهد سواء كان
إيمانهم متحققًا غير نافع أو لم يتحقق إيمانهم أصلًا فضلًا عن نفعه فيكون القيد والمقيد
منتفيين وعلى الأول فالمنفي هُوَ القيد وحده .
قوله:(وانطباقه جوابًا على سؤالهم من حيث المعنى باعتبار ما عرف من [غرضهم] ،
فإنهم لما أرادوا به الاستعجال تكذيبًا واستهزاء أجيبوا بما يمنع الاستعجال) وانطباقه
الخ. وقد أوضحناه آنفًا. وحاصله أن الظَّاهر من قولهم (متى هذا الفتح) السؤال بتعيين ذلك
اليوم، والظَّاهر في الْجَوَاب تعيين ذلك اليوم المسئول عنه. وأَشَارَ إلَى دفعه بأن غرضهم
من هذا السؤال ليس تعيين ذلك اليوم لأنهم لم يعتقدوا ذلك اليوم حتى طلبوا تعيينه
على الجد والعزم بل غرضهم استعجال حصول ذلك اليوم تَكْذيبًا واسْتهْزَاء فأجيبوا بما
يمنع الاستعجال كأنه قيل لا تستعجلوا ولا تستهزئوا فإنه آتٍ لا محالة فكان هذا مثل
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ) .
وإذا أتى تجأرون إلَى اللَّه تَعَالَى ولكنكم لا تنصرون وقد عرفت أَيْضًا أنه حصل تعيين
ذلك اليوم كما أشار إليه المص بقوله: فإنه يوم نصر الْمُؤْمنينَ. وقد أوضحناه هناك لكنه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وانطباقه جوابًا عَلَى سؤالهم من حيث الْمَعْنَى. يعني سألوا عن تعيين وقت يوم الفتح
وأنه متى يكون فأجيبوا بما وقع في ذلك اليوم من حالهم. وهذا الْجَوَاب غير مطابق من حيث اللَّفْظ
لسؤالهم ولكنه مطابق له من حيث الْمَعْنَى، وما في الكَشَّاف من بيان وجه الانطباق أظهر دلالة عَلَى
المقصود مما ذكره رحمه الله حيث قيل هناك كان غرضهم في السؤال وقت الفتح استعجالًا منهم
على وجه التَّكْذيب والاسْتهْزَاء. فأجيبوا عَلَى حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم فقيل لهم لا
تستعجلوا به ولا تستهزءوا فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم ولم ينفعكم الإيمان
واستنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا. إلَى هنا كلامه وتلخيصه أن غرضه في السؤال عن وقت
الفتح القطع بأن ذلك كذب ولا يَنْبَغي أن يكون رأيت ممن يجب أن يضحك منه. فأجيبوا لأن
كينونته مما لا ارتياب فيه، وأنه لا بد وأن يقع لكني أخبركم عن أحوالكم فيه كأني أنظر إليكم الآن
وأنتم عَلَى تلك الحال. قال المطرزي: معنى كأني بك أبصرتك إلا أنه ترك الْفعْل لدلالة الحال عليه
وكثرة الاسْتعْمَال ومعناه أعرف مما أشاهد من حالك اليوم كيف يكون حالك كذا كأني أنظر إليك
وقال المطرزي أَيْضًا: كأني بك مبصر وعالم بحالك أنك مستهلك، وهذا اللَّفْظ مستعمل في كل
مَوْضع يتيقن ما يصير إليه حال الرجال .