تعديته إلَى ما عاهدوا عَلَى نزع الخافض وهو لفظة في والْمَفْعُول مَحْذُوف أي صدقوا الله
فيما عاهدوه مأخوذ من صدقني إذا قال لك الصدق. والْمَعْنَى بعض الْمُؤْمنينَ حيث صدقوا
الله فيما عاهدوا الله فمن مبتدأ لكونها اسمًا بمعنى البعض ورجال خبره والفَائدَة باعْتبَار
وصفهم بأنهم صدقوا، وتنوين رجال للتفخيم والتَّعْبير بالرجال للإشعار بكمالهم في الرجولية
وما هُوَ المقصود منها لاتصافهم بهذه الصّفَة الجليلة التي أتعب وأشق عَلَى النفوس وكون
من الْمُؤْمنينَ خبرًا مقدمًا ورجال مبتدأ مؤخرًا قليل الجدوى، فالأولى ما ذكرناه. وقيل وتعديته
إلى ما عاهدوا يحتمل أن يكون يجعل المجاهد عليه مصدوقًا عَلَى الْمَجَاز العقلي أو
الاسْتعَارَة بالكناية بأن يشبه ما عاهدوا الله برجل عظيم قائم تجاههم كأنهم قَالُوا للمعاهد
عليه سنفي بك وجعله مصدوقًا تخييل وكلام الْمُصَنّف ينتظمهما، وأنت خبير بأن كلام
الْمُصَنّف كالصريح في الحذف والإيصال. نعم إن الزمخشري تعرض لهما .
قوله: (فمنهم من قضى نحبه) نذره بأن قاتل حتى استشهد
كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر) فمنهم الخ. تفصيل لما أجمل أولًا فالفاء
للتفصيل قدم الفريق الأول لكون وفاء عهده أتم. وقضى بمعنى وفا وفرغ. وحاصله أتم ؛ إذ
القضاء في الأصل إتمام الشيء قولًا أو فعلًا، وقد كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا
شهدوا مع الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ حربًا قاتلوا حتى يستشهدوا وهم عثمان بن عفان
وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن
النضر وغيرهم رضوان الله تَعَالَى عليهم أَجْمَعينَ. أَشَارَ إلَى بعضهم الْمُصَنّف في أثناء التفسير
حيث قال بأن قاتل حتى استشهد كحمزة الخ. ثم قال الشهادة كعثمان الخ.
قوله: (والنحب النذر اسْتُعيرَ للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان) والنحب
النذر وهو أن يلتزم الْإنْسَان شَيْئًا من أعماله ويوجبه عَلَى نفسه بأن قال عليَّ كذا مثلًا. ويجب
الوفاء إن كان موافقًا للشرع. قوله اسْتُعيرَ النحب هنا للموت. قوله لأنه كنذر الخ. بيان وجه
المشابهة أي شبه الموت بالنذر في اللزوم وإن كان الأول اختياريًا والموت اضطراريًا، لكن
لم يبين القرينة المانعة من إرادة الْحَقيقَة، والظَّاهر أن الْمَعْنَى الحقيقي ممكن هنا غاية الأمر
إن الموت ملحوظ فيه. والْمَعْنَى فبعضهم من قضى نحبه نذره وأوفى به حتى استشهد ومنهم
من ينتظر وفاء عهده ونذره بالشَّهَادَة ولا يظهر حسن معنى قضى موته لأنه غير اختياري
ليس في وسعه حتى يقال إنه قضى موته وما في وسعه الثبات في الحرب معه عَلَيْهِ السَّلَامُ
وقد قضوا. والْجَوَاب أنه أراد أن الموت وإن لم يكن اختياريًا لكن لما كان مباديه اختيارية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والنحب النذر اسْتُعيرَ للموت. قَالَ الرَّاغب: النحب النذر المحكوم بوجوبه يقال قضى
[فلان] نحبه أي وفى بنذره قال تَعَالَى: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) .
ويعبر به عمن مات كقولهم: قضى أجله استوفى أكله وقضى من الدُّنْيَا حاجته والنحيب البكاء الذي
معه الصوت. وقولهم: استوفى أكله كناية عن انقضاء الأجل. والأول اسم لما يؤكل بضم الكاف
وسكونه ويعبر به عن النصيب يقال فلان ذو أكل من الدُّنْيَا .