باختيار غيره كنفسها فتَخْصيصه بها يقتضي أنه لا تقع باختياره فإن أريد طلاقها وقع بعده
لأنه لم يقع به اقتضى ما ذكرناه بالطريق الأولى فتأمل، ولا يخفى ما فيه من الخلل. والأَولى
أن استدلالهم بهذه الآية عَلَى هذه المسألة بإشَارَة النص لا بمنطوقه حتى يرد الاعتراض
الْمَذْكُور. وفي قوله وتعليق التسريح وإرادتهن الدُّنْيَا إلَى قَوْله يدل عَلَى أن المخيرة الخ. إشَارَة
إلى ما ذكرناه. وفي الكَشَّاف: وعن عائشة - رضي الله تَعَالَى عنها - خيرنا رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ
فاخترناه ولم يعده طلاقًا. وهذا أَيْضًا يؤيد ما ذكرناه؛ إذ ليس في الآية ذكر الاختيار الْمُضَاف
لنفسها كما اعترفوا به، فالْمُرَاد التخيير بالإشَارَة. قوله وتقديم التمتيع الخ. قد فصلناه آنفًا.
قوله: (وقيل لأن الفرقة كانت بإرادتهن كاختيار المخيرة نفسها) يعني أن قوله:(إن
كنتن تردن الحياة الدُّنْيَا)هُوَ الذي علق عليه كأنه قيل: إن اخترتن الدُّنْيَا
فأنتن طوالق كما إذا علق الطلاق عَلَى الاختيار بقوله: إن اخترت نفسك فأنت طالق. فإرادة
الدُّنْيَا لكون المعلق عليه بمنزلة الطلاق. وحاصله وجدت الفرقة بسبب إرادتهن متاع الحياة
الدُّنْيَا لا بالتسريح فلا يكون التمتع حِينَئِذٍ سببًا عن التسريح حتى يقال إن حقه التأخير عنه
ويحتاج إلَى الاعتذار عنه فحِينَئِذٍ الْمُرَاد بالتسريح الإطلاق والإخراج من البيوت لا الطلاق.
قيل وهذا أَيْضًا مما فسرت به الآية. كما ذكره الرازي في الأحكام، لكنه مخالف لاسْتعْمَال
الشرع والْقُرْآن ولذا مرضه الْمُصَنّف.
قوله: (فإنه طلقة رجعية عندنا [وبائنة] عند الْحَنَفيَّة واختلف في وجوبه للمدخول بها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فإنه طلقة رجعية عندنا. إذا قال الرجل لامرأته اختاري فقالت اخترت نفسي أو قال
اختاري نفسك فقالت اخترت لا بد من ذكر النفس في قول المخير أو المخيرة وقعت طلقة بائنة
عند أبي حنيفة وأصحابه رحمهم اللَّه واعتبروا أن يكون ذلك في المجلس قبل القيام والاشتغال بما
يدل عَلَى الإعراض. واعتبر الشَّافعي رحمه الله اختيارها عَلَى الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو
مذهب عمرو بن مسعود وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بإجماع الفقهاء.
قوله: وعن عائشة رضي الله عنها «خيرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاخترناه» . ولم يعده طلاقًا وعن علي
رضي الله عنه إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة. وروي عنه أَيْضًا
إن اختارت زوجها فليس بشيء.
قوله: واختلف في وجوبه للمدخول بها. أي اختلف العلماء في وجوب تمتيع المخيرة الغير
المدخول بها إن اختارت نفسها هل هُوَ واجب عَلَى زوجها أم لا بيانه أن المطلقة التي لم يدخل
بها ولم يفرض لها في العقد متعتها واجبة عند أبي حنية وأصحابه رحمهم الله، وأما سائر المطلقات
فمتعتهن مستحبة. وعن الزهري متعتان [إحداها] يقضي بها السلطان من طلق قبل أن يفرض ويدخل
بها، والثانية حق عَلَى المتقين من طلق بعدما يفرض ويدخل وخاصمت امرأة إلَى شريح في المتعة
فقال متعها إن كنت من المتقين ولم يجبر وغن سعيد بن جبير المتعة حق مفروض. وعن الحسن
لكل مطلقة متعة إلا المختلعة والملاعنة والمتعة درع وخمار وملحفة عَلَى حسب السعة والإقتار إلا
أن يكون نصف مهرها أقل من ذلك فيجب لها الأقل [منه] ، ولا ينقص [عن] خمسة دراهم لأن أقل
المص عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها.