المذاهب فكما لا حرج عَلَى النَّبيّ فيما فرض اللَّه كَذَلكَ لا حرج عَلَى الأمم فيما فرض الله
لهم، فما وجه التَّخْصِيص؟ ولعل وجهه أن الْمُرَاد به هنا التوسع عليه في باب النكاح وغيره
كما يدل عليه قَوْلُه تَعَالَى: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) .
قوله: (سن ذلك سنة) نبه به عَلَى أنه مصدر منصوب بفعل مقدر من لفظه لا منصوب
على الإغراء ولا بتقدير عليكم لأنه خلاف الظَّاهر، بل لا صحة له هنا مع أن ما اختاره يفيد
التَّأْكيد وفي الكَشَّاف: سنة الله اسم موضوع مَوْضع المصدر كقولهم تربًا وجندلًا. أي أنه اسم
مصدر لا مصدر وتبعه صاحب الإرشاد وابن كمال ولم يرض به الْمُصَنّف لعله اطلع عَلَى
مصدريته، وعند الزَّمَخْشَريّ كأنه لم يثبت مصدريته ويؤيد مصدريته كونها عَلَى وزن كدرة
وعلى التقديرين يؤكد قَوْلُه تَعَالَى: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ) الخ.
وإليه أشار بقوله سن ذلك سنة أي سن الله ذلك أي عدم الحرج مُطْلَقًا في الْأَنْبيَاء الْمَاضين
فذلك إشَارَة إلَى المطلق الْمَذْكُور في ضمن المقيد لا إلَى المقيد لفساد الْمَعْنَى.
قوله: (من الْأَنْبيَاء، وهو نفي الحرج عنهم فيما أباح لهم) ووسع عليهم في باب
النكاح وغيره. ولقد كانت لدَاوُود مائة امرأة وثلاثمائة سرية ولسليمان ثلاثمائة امرأة
وسبعمائة سرية.
قوله: (قضاء مقضيًا وحكمًا مبتوتًا) فسر القدر بالقضاء تنبيهًا عَلَى أن كلا منهما
يستعمل بمعنى الآخر، والقدر تعلق الإرادة بالأشياء في أوقاتها وهو تفصيل قضائه السابق في
إيجادها في المواد الجزئية المسماة بلوح المحو والْإثْبَات. وقال بعض العارفين: إن القدر
كتقدير النقاش الصورة في ذهنه والقضاء كرسمه تلك الصورة للتلميذ بالأسرب. كذا قاله
علي القاري في أوائل شرح المشكاة. قوله: (قدرًا مقدورًا) وقضاء مقضيًا من قبيل: ظل ظليل
وليل أليل وسواد أسود لأجل التَّأْكيد، ولذا قال وحكمًا مبتوتًا أي مقطوعًا فإذا كان كَذَلكَ
فيكون أمرًا مَفْعُولًا موجودًا لا محالة ذكر السبب هنا وذكر المسبب فيما قبله للتفنن مع أن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: سن ذلك سنة. يعني أن نصب سنةَ الله عَلَى أنه مَفْعُول مطلق لفعل مَحْذُوف تقديره سن
الله سنته. وفي الكَشَّاف: وهو اسم موضوع موضع المصدر [مؤكد] لقوله تعالى(ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ
حَرَجٍ)كأنه قيل: سنَّ الله ذلك سنة في الأنبياء الماضين، وهو أن لا [يحرج] عليهم
في الإقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره، وقد كانت تحتهم المهائر والسراري،
وكانت لداوود عليه السلام مائة امرأة وثلاثمائة سرية، ولسليمان عليه السلام ثلاثمائة وسبعمائة.