سبق لتقرير ما قبله، وَأَيْضًا يفوت المُبَالَغَة الْمَذْكُورة، وأَيْضًا يجب حمل قوله إني فرضت
فريضة عَلَى التخيير لها مع أن الْمُتَبَادَر الحتم والإيجاب قطعًا، وَأَيْضًا لا يظهر في ذلك كثير
فَائدَة والْقَوْل بأن الفَائدَة بيان ظلم الْإنْسَان وجهله يحمل ما يشق عليه ضعيف لأن حمل ما
يشق عليه لتوقع في مقابلته ما يستحقر لأجله مشاقها ويستلذ بسببه متاعبها عين العدل
والعلم وينكشف منه أن جعل سبب جهله وظلمة تحمل التكاليف في غاية من البعد بل
سببهما عدم الوفاء بالعهود وترك الحدود والحرمان عن المقصود ونسيان رضاء المعبود ولو
كان سببهما تحمل التكاليف يلزم جهل جميع أفراد الْإنْسَان وظلمه لتحقق السبب في الكل
والْقَوْل بأن سبب التحمل وعدم الوفاء به يستلزم الرجوع إلَى الوجه الأول.
قوله:(ولعل الْمُرَاد بالأمانة العقل أو التكليف، وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى
استعدادهن، وبإبائهن الإِباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد)ولعل الْمُرَاد بالأمانة
العقل والتكليف وهذا أولى من نسخة أو التكليف لأنه [حِينَئِذٍ] عين الْمُرَاد في الوجه الأول.
قوله: وبعرضها اعتبارها الخ. والْمُرَاد باستعدادهن من حيث الخصوصيات كالأعراض
والصفات لا بالنظر إلَى الذات الجسمية، أو بالنظر إلَى الذات الجسمية عند من ذهب إلَى أن
الأجسام متخالفة الماهية لتركبها من الجواهر الفردة المتخالفة الماهية عندهم وعلى
التقديرين يندفع إشكال السعدي.
قوله: (وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلومًا جهولًا) وبحمل الْإنْسَان
قابليته واستعداده لها. أي مع العقل ليتم المطلوب فلا يكون العرض قوله: (ألست بربكم)
ولا الحمل بمعنى القبول بالْفعْل بقوله (بلى) فـ [حِينَئِذٍ] لا
يظهر وجه قوله (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) إذ بمجرد الاستعداد للأمانة
والطاعة لا يكون ناقض العهد فلا يكون ظلومًا جهولًا، فظهر وجه ما قاله ثم هذا وجه رابع
في الآية سنح في خاطر الْمُصَنّف كما هو الظَّاهر وليس من تتمة الوجه الثالث كما توهم.
وقيل الْمُرَاد بالأمانة الخلافة المختصة به وهي مظهر لصفات الْأُلُوهيَّة، ولذا سمي بالعالم
الأكبر قيل:
وتزعم أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر
وضعف هذا الْقَوْل ظَاهر ؛ إذ الخلافه لا تعم أفراد الْإنْسَان، ولو سلم لا معنى لعرضها عَلَى
السَّمَاوَات والْأَرضين ولو سلم لا يظهر وجه كون جنس الْإنْسَان ظلومًا جهولًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولعل الْمُرَاد بالأمانة العقل الخ. أمثال هذا التأويل مما يفهمه العارفون من المشايخ
المتصوفة من ألفاظ كلام اللَّه المجيد بلسان الإشَارَة ولا يجزم بأن هذا المعنى مراد الله تَعَالَى ولذا
أورده بلفظ لعل.