قوله: (فضمن معنى صير) فيه إشَارَة إلَى أن هذا الْمَعْنَى ليس بوضعي بل طار عليه
في الاسْتعْمَال كما يشعر به قوله وترك في الأصل الخ. وقوله (فجرى مجرى أفعال الْقُلُوب)
وحمل كلامه عَلَى كونه وضعيًا كما اختاره ابن مالك في التسهيل بعيد ؛ إذ كلام المصنف
كالصريح فيما ذكرناه أولًا قوله فجرى الخ. أي في الدخول عَلَى المبتدأ والخبر والتعدية إلَى
المَفْعُولَيْن لكنه ليس بوضعي عَلَى ما اختاره الشيخان ووضعي عَلَى ما اختاره ابن مالك
وفي قوله (كقَوْله تَعَالَى:(وَتَرَكَهُمْ في ظُلُمَاتٍ) إشَارَة إلَى أن الآية. محمولة عَلَى الْمَعْنَى الثاني
دون الأول وإن أمكنه بأن جعل هم مَفْعُوله و (ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصرُونَ) حالان مترادفان من
الْمَفْعُول كما نقل عن ابن الحاجب لأن فيه تكلفًا، وأَيْضًا في معنى التصيير والجعل التَّضْمين
فيفيد المُبَالَغَة، كَمَا صَرَّحَ به في أوائل سورة الأنعام فالحمل عليه أولى، فعلى هذا هم مَفْعُوله
الأول والثاني في (ظلمات) (ولا يبصرون) صفة أو حال من الضَّمير المستتر فيه أو من
هم أو خبر بعد خبر وفي اللباب ولا يجوز أن يكون (في ظلمات) حالًا (ولا يبصرون)
هو الْمَفْعُول الثاني لأن الْمَفْعُول الثاني في الأصل خبر والخبر لا يؤتى للتأكيد ؛ إذ التَّأْكيد من
شأن الأحوال لأنها فضلات، وأما الخبر فهو العمدة فالتَّأْكيد ليس من شأنه .
قوله:(وقول الشاعر:
فتركْتُه جَزْرَ السّباع يَنُشْنَهُ)
هو عنترة بن شداد والبيت من قصيدته المعدودة من المعلقات السبع تمامه:
يَقضُمْنَ حُسنَ بنانه والمعْصَم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
واحد كقولهم تركته ترك ظبي ظله أي كناسه التي يستظل بها في شدة الحر وهو مثل يضرب به
للرجل النفور لأن الظبي إذا نفره الصائد منها لا يعود إليها أبدًا ثم ضمن معنى التصيير الذي هو
من أفعال الْقُلُوب فعدي إلَى مَفْعُولَيْن فإذا حمل معناه هَاهُنَا عَلَى الأصل يكون (في ظلمات)
(ولا يبصرون) حالين من الْمَفْعُول مترادفين أو متداخلين وإذا حمل
على معنى التَّضْمين يكونان مَفْعُولَيْن بعد الْمَفْعُول الأول عَلَى سنن الأخبار المتتابعة للمخبر عنه
الواحد قال ابن الحاجب في الأمالي (تركهم في ظلمات لا يبصرون) كقولك
صيرت زيدًا عالمًا فاضلًا لأنها في معنى الأخبار فلما جاز تعدد الأخبار جاز تعددها .
قوله:
فتركْتُه جَزْرَ السّباع
يَقضُمْنَ حُسنَ بنانه والمعْصَم
ما بين قلة رأسه والمعصم
وفي رواية يقضمن حسن بنانه والمعصم واليت لعنترة الجزر جمع الجزرة وهي الشاة التي أعدت
للذبح يعني أن السباع تجزره بأنيابها جزر القصاب بالحديد والنوش التناول والقضم هُوَ الأول بمقدم
الإسناد من قضم بالكسر يقضم بالفتح والمعصم مَوْضع السوار من الساعد ومعناه قتلته وصيرته طعمة
للسباع يأكلنه بمقدم الأسنان والبيت نص في أن ترك بمعنى صير لأن جزر السباع معرفة لا يحتمل
الحال لأن الحال نكرة بخلاف ما في الآية. فإن ترك فيها يجوز أن يكون بمعنى طرح و (في ظلمات لا