قوله: (أو اسْتئْنَاف منبه لهم) مسوق من جهته تَعَالَى غير معمول بما قبله كلمه أو
عطف عَلَى مقدر وهو أن ما بصاحبكم معمول لما قبله أو لما دل عليه أو اسْتئْنَاف يحسن
الوقف عَلَى قوله ثم تتفكروا حِينَئِذٍ دون الأول. قوله منبه الخ. بيان ارتباطه بما قبله وفي
الأول ارتباطه واضح وكونه منبهًا عَلَى ما ذكر منطوق الْكَلَام ولذا لم يتعرض له.
قوله:(على أن ما عرفوا من رجاحة عقله كاف في ترجيح صدقه، فإنه لا يدعه أن
يتصدى لادعاء أمر خطير وخطب عظيم من غير تحقق ووثوق ببرهان، فيفتضح على
رءوس الأشهاد ويلقي نفسه إلى الهلاك، فكيف وقد انضم إليه معجزات كثيرة)من
رجاحة عقله. أي كمال عقله فإنه أي العقل الكامل والأمر الخطير النبوة وخطب عظيم
تفسير له. قوله فيفتضح بالنصب جواب النفي أي أو مَعْطُوف عَلَى قوله أن يتصدى أي لا
يدعه. قوله ويلقي نفسه عطف عليه.
قوله: (وقيل ما استفهامية والمعنى: ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون) . وقيل هنا
استفهامية أَشَارَ إلَى أن كون (ما) نافية أولى لأنه صريح في النفي دون الاسْتفْهَام فإنه وإن أفاد
النفي لكونه إنكارًا للوقوع لكنه تطويل بلا طائل ولذا مرضه.
قوله: (إن هُوَ إلا نذير لكم) القصر [إضافي] أي لا جنون [به] أصلًا بل إن
هو إلا نذير.
قوله: (قدامه لأنه مبعوث في نسم الساعة) فدامه أي بين بدي كناية عن قدامه يعني
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فإنه لا يدعه. أي فإن ما عرفوه من رجاحة عقله لا يدعه أن يدعي أمرًا خطيرًا لأن
كمال العقل يمنع صاحبه أن يتعرض لعظام الأمور من غير تحقق ووثوق برهان لأنه يعلم بتأمله
الصادق أن من ادعى أمرًا عظيمًا من غير تحققه ببرهان ربما يفتضح في آخره عند العجز عن إثباته
وتصور الافتضاح في العاقبة يردعه عن التصدي له فإذا تصدى عاقل لادعاء أمر يعلم أنه أوثق
لإثباته وأن ذلك الأمر محقق فلا يَنْبَغي أن ينكر ما [يدعيه] العاقل فَكَيْفَ إذا قرنه الخوارق
والمعجزات. وفي الكَشَّاف:[وأراهم بقوله (ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ) أن هذا الأمر
العظيم الذي تحته ملك الدنيا والآخرة جميعا، لا يتصدّى لا دعاء مثله إلا رجلان: إمّا مجنون لا يبالى
باقتضاحه إذا طولب بالبرهان فعجز، بل لا يدرى ما الافتضاح وما رقبة العواقب. وإمّا عاقل راجح العقل
مرشح للنبوّة، مختار من أهل الدنيا، لا يدعيه إلا بعد صحته عنده بحجته وبرهانه، وإلا فما يجدى على
العاقل دعوى شيء لا بينة له عليه، وقد علمتم أنّ محمدا صلى الله عليه وسلم ما به من جنة، بل علمتموه أرجح
قريش عقلا، وأرزنهم حلما وأثقبهم ذهنا وآصلهم رأيا، وأصدقهم قولا، وأنزههم نفسا، وأجمعهم لما
يحمد عليه الرجال ويمدحون به، فكان مظنة لأن تظنوا به الخير، وترجحوا فيه جانب الصدق على
الكذب، وإذا فعلتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بأن يأتيكم بآية، فإذا أتى بها تبين أنه نذير مبين] .