ضربًا من الهدى وعند إقرارهم من أنواع الهدى فأصبحنا في وجيهه إلَى ما ذكرناه، وأما عبارة
الكَشَّاف حَيْثُ عد إقرارهم نورًا استضاءوا به قليلًا فسالمة عن التَّكَلُّف فهي أحسن مما
اختاره المص .
قوله: (باستبطان الكفر وإظهاره حين خَلَوْا إلَى شَيَاطينهمْ) أي أضاعوا ما نطقت به
ألسنتهم بإظهارهم الكفر حين انفردوا مع شياطينهم قد عرفت أنه ضائع باستبطان الكفر
وإضاعة الضائع من قبيل تَحْصيل الحاصل فإسقاطه أولى .
قوله: (ومن آثر الضلالة عَلَى الهدى المجعول له بالفطرة) أي يدخل تحت عمومه من
آثر الضلالة الخ. فهو عطف عَلَى هَؤُلَاء المُنَافقُونَ وهم وإن كانوا ممن آثر الضلالة لكن
لإقرارهم الحق قابلوهم وقد فصلناه آنفًا في بيان أنواع الهداية والْقَوْل بأن من آثر الخ
الظَّاهر أنهم المُنَافقُونَ لا الْكُفَّار الَّذينَ تمحض كفرهم لعطفه بالواو ليس بشيء ؛ إذ المقصود
بيان شمول من آتاه الله تَعَالَى ضربًا من الهدى إلَى هذه الْأَقْسَام ومثل هذا يحسن العطف
بالواو كما يحسن بأو بالاعتبارين ومع ذلك في العطف بالواو هنا وبأو في قوله(أو ارتد
عن دينه)نكتة وهي أن من آثر الضلالة الخ. عام للْمُنَافقينَ في نفسه لكن
جعل مقابلًا هنا لما ذكرناه، وأما من ارتد والعياذ باللَّه تَعَالَى فلا يتناولهم مفهومًا أصلًا قوله:
(بعدما آمن) أي إيمانًا خالصًا تأكيد لما قبله .
قوله: (ومن صح له أحوال الإرادة) والْمُرَاد بالإرادة هنا هي التي أول أحوال السالك
الذي حصل له نور الإرادة في الْجُمْلَة بقرينة قوله (فأذهب الله تَعَالَى عنه) الخ. والإرادة في
اصْطلَاح الصوفية عَلَى ما فهم من كلام أرباب الحواشي جمرة من نار المحبة في القلب
مقتضية لإجابة دواعي الْحَقيقَة والمحبة تعلق الْقُلُوب بالمحبوب وحده وعدم الالْتفَات إلَى
الغير وأحوالها ما يرد عَلَى السالك في أثنائها وبدايته التلذذ بالعبادات ونهايته حب الذات
للذات في الحضرة الأحدية. قيل والأحوال في اصْطلَاحهم هي ميراث العمل من المواهب
الفائضة من الله تَعَالَى وسميت أحوالًا لتحول العبد من دركات العبد إلَى درجات القرب
وقريب منه ما قيل الحال ما يرد عَلَى القلب بمحض الموهبة من غير تعمل واجتلاب كحزن
وخوف أو قبض وبسط فإذا دام سمي مقامًا فإن المريدين لما حصل لهم أحوال الإرادة كما
عرفت قال المص ومن صح له أحوال الإرادة ولم يحصل لهم الإرادة وهي الإقبال
بالكلية عَلَى الحق والإعراض عن الخلق. قال أبو الحسن الوراق ومن لم يصح له فلا منافاة
(فادعى أحوال المحبة) الحاصلة للأكابر الواصلين إلَى المحبة فأذهب الله تَعَالَى الخ. لادعائه