قوله:(أو على جُدَدٌ كأنه قيل: ومن الجبال ذو جدد مختلفة اللون ومنها غَرابِيبُ متحدة
اللون)أو عَلَى جدد، فعلى هذا لا يعلم كونها سودًا بل هي بيض وحمر، والظَّاهر أنها سود
أَيْضًا ولعله قدمه للتنبيه عَلَى رجحانه، وأَيْضًا بيان أن من الجبال غرابيب متحدة اللون لا
يلائم ما هُوَ الْمَذْكُور في ارتباطه لما قبله من أن الاخْتلَاف أمر مطرد في جميع المخلوقات
فيكون تقريرًا لاخْتلَاف أحوال النَّاس. قوله متحدة اللون لأن الغرابيب تأكيد للسود، فلا وجه
لما قيل من أن السواد لا يقتضي الاتحاد لجواز اخْتلَافه بالشدة والضعف عَلَى أن الْمُتَبَادَر
من عدم وصفه بكونه مختلفًا ألوانها اتحاد اللون، وأَيْضًا إن اخْتلَاف اللون الواحد بالشدة
والضعف لا ينافي اتحاد اللون ؛ إذ إطلاق الألوان عَلَى لون واحد مختلف إفراده بالشدة
والضعف غير مُتَعَارَف والْإضَافَة في النظم بيانية كما عرفته وإلا فالإطلاق تساهلًا لا حَقيقَة .
قوله:(وهو تأكيد مضمر يفسره ما بعده فإن [الغرابيب] تأكيد للأسود ومن حق التأكيد
أن يتبع المؤكد ونظير ذلك في الصفة قول النابغة) وهو أي هذا اللَّفْظ وهو غرابيب ولكون
لفظه مرادًا جعل الضَّمير الراجع إليه مذكرًا تأكيد مضمر بإضافة التَّأْكيد إلَى مضمر وهو سود
كأنه قيل وسود غرابيب سود فإن الغرابيب تأكيد للأسود كتأكيد الفاقع للصفراء قال تَعَالَى:
(صفراء فاقع لونها) والفاني للأحمر ومن حق المؤكد أن يتبع المؤكد فلا
جرم أنه مؤكد لمضمر والظَّاهر أنه تأكيد اصْطلَاحي لما عرفت من أهل اللغة صرحوا بأن
الفاقع تأكيد للأصفر وهو تأكيد لفظي بالمرادف، والْقَوْل بأن المؤكد لا يحذف مردود بما
قاله شارح التسهيل بأن الْمَحْذُوف لدليل كالْمَذْكُور والغربيب هُوَ الذي أبعد في السواد
وأغرب فيه كما في الكَشَّاف. قوله وحق التَّأْكيد الخ. ولذا يقدر المؤكد بفتح الكاف قبل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو تأكيد مضمر يفسره. أي الغرابيب تأكيد لمضمر وهو سود المقدر قبل غرابيب
وسود الظَّاهر يفسره تقديره سود غرابيب فإن الغرابيب جمع غِربيب بكسر الغين تأكيد للأسود
ويقال أسود غربيب وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه وبلغ الغاية ومنه الغراب، ومن حق التَّأْكيد
أن يتبع المؤكد كقولك: أصفر فاقع وأبيض يقق. الفقوع شدة الصفرة واليقق بفتح القاف شديد
البياض وحكى يَعْقُوب أبيض يقِق بكسر القاف الأولى. قوله فإن الغربيب تأكيد للأسود ومن حق
التَّأْكيد أن يتبع المؤكد علة ليكون المتبوع مقدرًا قبله ودفع لأن يكون سود الْمَذْكُور تأكيدًا لـ غرابيب.
قوله: ونظير ذلك في الصّفَة أي نظير الغرابيب في كونه تابعًا للمقدر مفسرًا بالظَّاهر المحذوف لفظ
العائذات في قول النابغة:
والمُؤْمِنِ العائِذاتِ الطَّيْر يَمْسَحُها ... رُكْبانُ مَكَّةَ بَيْنَ الغَيْلِ والسَّنَدِ
فإن العائذات صفة الطير الْمَحْذُوفة المفسرة بالطير الواقع بعد العائذات. معنى البيت أن
الْمُؤْمن اسم الْفَاعل وهو الله تَعَالَى من آمن والعائذات الحمائم لما عادت لمكة والتجأت إليها حرم
قتلها وصيدها والغيل والسند موضعان والْمُؤْمن مجرور عَلَى القسم والعائذات منصوب باسم
الْفَاعل وهو الْمُؤْمن والطير منصوب إما بدل من العائذات أو عطف بيان لها أو بإضمار أعني هكذا
قَالُوا في إعراب البيت. وفيه نظر لأن الاستشهاد بأن هذا الطير الْمَذْكُور دال عَلَى الْمَحْذُوف وهو
مَفْعُول لاسم الْفَاعل والعائذات صفة أي الْمُؤْمن الطير العائذات الطير .