قصة ذي القرنين فلو اخْتيرَ هنا لكان أبلغ تم الظَّاهر إنه حَقيقَة في المحسوسات مجاز
مُتَعَارَف في المعقولات وفيه إشَارَة إلَى أنهم لانهماكهم في الكفر والخداع أحدث الله هيئة
في قواهم تمنعهم عن قبول الحق وهي الْمُرَاد بالسد هنا وقد مَرَّ الْكَلَام في قَوْله تَعَالَى:
(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ) لكن الْمُصَنّف أسند السد إليهم لكونهم سببًا لإحداث
تلك الهيئة ولك أن تحمله عَلَى ظَاهر الآية. المسامع جمع مسمع بكسر الميم كمنبر وهو
خرق الأذن كذا نقل عن الرَّاغب والظَّاهر الْقُوَّة السامعة وهي الملائم لقوله كأنما أيفت
مشاعرهم وهي آلة السمع، وأما الفتح بمعنى مَوْضع السمع فبعيد (عن الإصاخة إلَى الحق)
والإصاخة الاستماع المقرون بالقبول وهو منتف عنهم دون السمع مُطْلَقًا وتعديته بـ إلى مع
أنه معدى باللام يقال صاخ له وأصاخ لتضمنه معنى الميل .
قوله: (وأبوا أن ينطقوا به) منشأ إبائهم سد مسامعهم ولذا عطف عليه بالواو وينطقوا
من الإنطاق أي وأبوا أن يجعلوا (ألسنتهم) ناطقة بالحق ولو جعل أن ينطقوا من النطق
وألسنتهم بدلًا منهم بدل اشتمال أو نصب بنزع الخافض لم يبعد (ويتبصروا الآيات) أي أبوا
أن يتبصروا من التفعل. والْمَعْنَى امتنعوا من أن ينظروا إلَى الآيات الدَّالَّة عَلَى الحق سواء
كانت عَقْليَّة أو نقلية لسد مسامعهم لأن من اختل قوته السامعة يكون محرومًا من أكثر الخير
ولذا عند السمع من أعظم النعم وللتنبيه عَلَى ذلك قدم السمع عَلَى البصر حيثما جمع بَيْنَهُمَا
في الذكر في أكثر المواضع من الْقُرْآن والأخبار وهنا أَيْضًا إشَارَة إلَى ذلك حيث قدم صم
على عمي ونبه الْمُصَنّف عَلَى هذا بقوله في الأول لما سدوا مسامعهم وقوله ثانيًا وأبوا الخ
وإسناد النطق إلَى اللسان مجاز لكونه آلة كما يدل عليه قوله (بأبصارهم) لكنه تفنن في
البيان وجعل اللسان ناطقًا عَلَى تقدير والبصر آلة للإبصار، وإنَّمَا قال إنهم أبوا أن ينطقوا
بالحق مع أنهم ناطقون به لأن نطقهم لعدم مواطئة قلوبهم لا يعبأ به كما لا يعبأ استماعهم
الحق في مجلس الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ والشيء عديم النفع ملحق بالعدم .
قوله: (جعلوا) جواب لما. وأشار بقوله (كأنما أيفت مشاعرهم) إلَى أن قَوْلُه تَعَالَى:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: لما سددوا أن ينطقوا به ألسنتهم وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم جعلوا كأنما أزيغت
مشاعرهم وانتقضت بناها التي بينت عليها الإحساس والإدراك . قال الرَّاغب: الصمم صلابة من اكتبار
الأجزاء ومنه صخرة صمًا والبكم اعتقال في اللسان وأصله فيمن يولد أخرس والعمى يقال في عدم
البصيرة والبصر جمعًا فمن ترك الإصغاء إلَى الْحكْمَة الربانية وأعرض عن الطرق الْأُخْرَويَّة واشتغل
عن تعرف حالهما ولم يمعن في تدبرهما صح أن يستعمل مده الألفاظ فيه وهذه الآية. مبنية عَلَى
الآية الأولى مفسرة بحسب تفسيرها .
قوله: وأن ينطقوا ويتبصروا جمع النظر مع التبصر إشَارَة إلَى اسْتعْمَال العمى في عدم البصر
والبصيرة جَميعًا من حيث إنه يراد بالنظر التفكر بالقلب وبالتبصر الإدراك بالبصر ومشاهدة الغين. وقيل
إنما ذكر النظر والتبصر تنبيهًا عَلَى أن مجرد النظرة الأولى لا يكفي لأن النظرة الأولى حمقا بل لا بد ثم
من اعتبار التأمل في النظر الثاني لأن التبصر لأنه ينبئ عن التعقل والإصاخة الاستماع .
قوله: أيفت عَلَى ما لم يسم فاعله أي صارت ذات آفة الآفة العاهة يقال قد أيف الزرع أي