استعدادهم إلَى قبول الحق مشتراة عارضة لهم بعد أن لم يكن بهذا الْمَعْنَى وإن لم يفارق
عنهم أصلًا هذا عَلَى تقدير كون ضميرهم في هم صم راجعا إلَى الْمُنَافقينَ وهذا مختص
بمن يصر عَلَى نفاقه حتى يموت وإن أريد العام فيكون عامًا خص منه البعض وهو الذي
آمن بعد نفاقه وكفره، والإشكال بأن الْمُنَافقينَ كلفوا بتصديق جميع ما جاء به النَّبيّ عليه
السلام ومن جملته قَوْلُه تَعَالَى: (فَهُمْ لَا يَرْجعُونَ) فيلزم التكليف باجتماع الضدين وهو محال
مدفوع بالْجَوَاب الذي حقق في قَوْله تَعَالَى: (وَأَنَّ الَّذينَ) إلَى قَوْله: (لَا يُؤْمنُونَ) وفي قوله
باعوه أولًا واشتروها إشَارَة إلَى أن اشتروا في قَوْله تَعَالَى: (أُولَئكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ)
لكونه من الأضداد يحتمل البيع والشراء كما مَرَّ تفصيله لكن الأولى شروها بدل اشتروها.
قوله: (أو فهم المتحيرون لا يدرون أيتقدمون أم يتأخّرون) هذا عَلَى تقدير كون
ضميرهم راجعًا إلَى المستوقد وحِينَئِذٍ في الْكَلَام حذف أشار إليه لقوله فهم المتحيرون الخ
وهذا مفهوم باقتضاء النص لأن عدم رجوع المستوقد بعد إطفاء نارهم إلَى حيث ابتدءوا منه
بعد تحيرهم فالتحير لازم متقدم. قوله لا يدرون بيان لتحيرهم عَلَى سبيل الاسْتئْنَاف وإلى
حيث متعلق بـ يرجعون وضمير منه راجع إلَى حيث بمعنى المكان(وإلى حيث ابتدءوا فيه
كَيْفَ يرجعون)اسْتفْهَام إنكارى للكيفية المستلزمة لإنكار الرجوع. وحاصله أنهم لا يرجعون
إلى مكان ابتدءوا منه لتحيرهم ويفهم منه أن الرجوع ممكن لكنهم لا يرجعون لتحيرهم
وقوله: (لَا يُبْصرُونَ) لا يلائمه.
قوله: (والفاء للدلالة عَلَى أن اتصافهم) أي الفاء للسببية داخلة عَلَى المسبب لأن اتصاف
المستوقد (بالأحكام السابقة) أي الصمم وأخويه (سبب لتحيرهم واحتباسهم) لعدم رجوعهم
فالفاء داخلة عَلَى المسبب البعيد، وأَيْضًا أن اتصاف الْمُنَافقينَ بالأوصاف الثلاثة سبب لاحتباسهم
عن عود الضلالة إلَى الهدى وإطلاق الأحكام عليها ظَاهر عَلَى تقدير كونها خبر المبتدأ مَحْذُوف
وعلى تقدير كونها أحوالًا فلأنها في قوة الْإخْبَار وفي كلامه إشَارَة إلَى أن (لا يرجعون)
جملة خبرية وكونها جملة دعائية ليس بمناسب للمقام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: والفاء للدلالة الخ. هذا توجيه الْمَعْنَى الفاء عَلَى الإطلاق (لا يرجعون)
عن التعلق وترك التعرض لمعناها عَلَى تَقْييده بالتعلق فمعناها عَلَى هذا إذا اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بالْهُدَى
وأدى ذلك إلَى الصمم والخرس والعمى فهم (لا يرجعون) إلَى الهدى الذي باعوه أو لا يعودون
عن الضلالة التي اشتروها فالفاء عَلَى تقديري الإطلاق والتقيد جواب لشرط مَحْذُوف هذا كله عَلَى
تقدير أن تكون الضمائر للْمُنَافقينَ. وأما إذا كانت للمستوقدين فمعنى لا يرجعون أنهم لا يعودون
إلى حالة السرور الحاصلة لهم بإضاءة النَّار التي استوقدوها أو إلَى حالة الإفاقة بعد وقوعهم في
حالة الحيرة ومعنى التسبب المُسْتَفَاد من الفاء [حِينَئِذٍ] أن إذهاب الله تَعَالَى نورهم وتركهم في ظلمات
متراكمة عَلَى وجه يؤدي إلَى صمم مسامعهم وخرس ألسنتهم وعمى أبصارهم وعمه قلوبهم ودهشة
عقولهم وأحلامهم منعهم أن يرجعوا إلَى حالتهم الأولى.