شأنه وباهر سلطانه والخوض في لجة التوحيد وبحر التفريد فكان المعلوم عيانًا والمعقول
مشاهدًا والغيبة حاضرًا ولذلك قال خالص للَّه تَعَالَى أو مخلص الخ. وهذا معنى مجيء ربه
بقلب سليم من حيث المجموع، وهذا في غاية الفصاحة ونهاية الإيجاز مع البلاغة ؛ إذ سلامة
القلب وهو كالملك في البدن فإذا سلم سلم الجسد كله فهو من جوامع الكلم .
قوله: (خالص لله أو مخلص له) أو خلص بفتح اللام أي أخلصه الله تَعَالَى أو بكسر
اللام أي أخلص له والتغاير الاعتباري كافٍ فلا يلزم كون القلب مخلصًا لنفسه ؛ إذ التغاير
الاعتباري يدفعه. وقيل نزل منزلة اللازم أي ذا إخلاص فلا يلزم المحذور الْمَذْكُور وهو بهذا
الْمَعْنَى غير مُتَعَارَف وإن أبيت عَمَّا ذكرنا فاكتف بفتح اللام .
قوله: (وقيل حزين من السليم بمعنى اللديغ) . وقيل حزين ليحزن فعل أبيه وقومه من
السليم بمعنى اللديغ أي الملدوغ من حية أو عقرب فإن العرب سمته سليمًا تفاؤلًا بسلامته
وصار حَقيقَة فيه يقال لدغته الهموم. قيل فيكون اسْتعَارَة من السليم بمعنى اللديغ. وجه الشبه
تأثر من ابتلي به ، وهذا الْمَعْنَى أَيْضًا راجع إلَى سلامة القلب ؛ إذ الحزن من الإشراك عين
السلامة من الآفات لكن أخّره لأن الْمَعْنَى الأول أمس بالمقام وأوفى بالمرام .
قوله: (ومعنى المجيء به ربه: إخلاصه له كأنه جاء به متحفًا إياه) ومعنى المجيء به
الخ. لما كان ظاهره محالًا حاول بيان ما هُوَ الْمُرَاد فقال إخلاصه له. وفي الكَشَّاف: معناه أنه
أخلص لله تَعَالَى قلبه وعرف ذلك منه فضرب المجيء مثلًا لذلك وإليه أشار الْمُصَنّف بقوله
كأنه جاء به متحفًا إياه فالْكَلَام اسْتعَارَة تمثيلية شبه الهيئة المنتزعة من أشياء عديدة وهي
إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ وإخلاص قلبه لربه بحَيْثُ عرف منه بعلاقة تدل عَلَى ذلك بالهيئة
المأخوذة من أمور كثيرة وهي شخص من مقربي ملك ومجيئه ملكًا بتحف عظيم بحَيْثُ لا
يقدر عليه غيره في أوانه وعرف ذلك منه فذكر اللَّفْظ الموضوع للهيئة المشبه بها وأريد
الهيئة المشبهة سواء كان للملابسة أو للتعدية ثم قول الكَشَّاف وعرف ذلك بصيغَة
المجهول كما أشرنا إليه بقولنا بعلاقة الخ. لا بصيغَة المعلوم حتى يقال إن العارف لا
يطلق عليه تَعَالَى ؛ إذ لا فَائدَة في الْإخْبَار بأنه عرف ذلك ولو سلم ذلك فلا يلزم من ذلك
إطلاق العارف عليه تَعَالَى فإن فيه بيان فعله تَعَالَى مثل (سخر الشمس والقمر)
(وبث فيها) مع أنه لا يلزم منه إطلاق المسخر والباث.
قال الْمُصَنّف في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ) الآية. يصح
إسناد التعليم إليه تَعَالَى وإن لم يصح إطلاق العلم عليه تَعَالَى وله نظائر كثيرة. فَكَيْفَ
ذهلوا عنه فاعترض بعض، وأجاب بعض آخر فتدبر. وقيل ثم إن ظَاهر كلامهم أن في جاء
اسْتعَارَة تبعية تصريحية فشبه إخلاص قلبه بمجيئه بتحف في استجلاب رضائه ولم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: من السليم بمعنى اللديغ. وهو بمعنى الملدوغ من لدغته العقرب تلدغه لدغًا فهو
ملدوغ ولديغ .