قوله:(بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب، أو أفضنا
عليهما بركات الدين والدنيا، وقرئ «وبركنا» )بأن أخرجنا من صلبه الخ. وهذا إخراج أنبياء
بَني إسْرَائيلَ من صلب آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ ولذا لم يتعرض له صراحة، وأَيْضًا للتعميم فإن
الإخراج من صلب إسماعيل عَلَيْهِ السَّلَامُ أفضل الرسل إخراج من صلب إبْرَاهيم عليه
السلام أَيْضًا وإعادة عَلَى في إسحاق للتنبيه عَلَى استقلاله في التبريك. قيل والضَّمير في
صلبه لإبْرَاهيم لأن أولاد إسحاق كلهم من بَني إسْرَائيلَ وأيوب من نسل عيص بن
إسحاق ، وشعيب من نسل مدين بن إبْرَاهيم، وهذا وإن كان هُوَ الظَّاهر لكن ذكره بعد
قوله: (عَلَى إسحاق) يلائم ما ذكرناه، وذكر شعيب للاستطراد أو للتَغْليب، وفي كلام ابن
الْكَمَال إشَارَة إلَى ما ذكرناه .
قوله: (في عمله أو إلى نفسه بالإِيمان والطاعة. [وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ] . بالكفر والمعاصي) في عمله كمًا
وكيفًا كما مَرَّ تفصيله. قوله أو عَلَى نفسه الخ. وهذا هُوَ الْمُنَاسب لقوله: (وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ)
فهو أجدر بالتقديم والمُسْتَفَاد مِن مِن التبعيضية البعض المطلق فيكون
محسنًا باعْتبَار تحققه في إفراد وظالمًا باعْتبَار تحققه في ضمن إفراد أخر قدم المحسن
لشرافته وإن كان قليلًا بالنسبة إلَى الظالم وأفرد في الموضعين لإرادة الجنس والتنكير لعدم
تعيينهما، ولم يقيد المحسن بالنفس ليكثر الاحتمال كما نبه عليه المص .
قوله: (ظَاهر ظلمه) أي الْكَلَام صفة جرت عَلَى غير ما هي له لأنه صفة ظالم وفَائدَة
الوصف المُبَالَغَة في الذم ولم يجعله صفة للمحسن أَيْضًا لقربه منه .
قوله:(وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال وأن الظلم في
أعقابهما لا يعود عليهما بنقيصه وعيب)وفي ذلك تنبيه الخ. وأَيْضًا فيه تنبيه عَلَى أن الْحكْمَة
الْإلَهيَّة لا يقتضي الاتفاق عَلَى الْإخْلَاص والإقبال الكلي عَلَى الله تَعَالَى فإنه مما يشوش
المعاش، ولذا قيل: لولا الحمقى لخربت الدُّنْيَا. كذا قاله المص في سورة البقرة في قوله
تَعَالَى: (وَمنْ ذُرّيَّتنَا أُمَّةً مُسْلمَةً لَكَ) وهذا أولى مما ذكره هنا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: محسن في عمله أو عَلَى نفسه بالإيمان والطاعة وظالم لنفسه بالكفر والمعاصي.
قال الإمام: دخل تحت قوله (محسن) الْأَنْبيَاء والْمُؤْمنُونَ، وتحت قوله (ظالم) الفاسق والكافر. وفيه
تنبيه عَلَى أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن فلا تصير هذه الشبهة سببًا لمفاخرة
الْيَهُود. قال التهامى:
لا تَحسَبَن حَسَبَ الآباءِ مَكرُمَة ... لِمَن يقصِّر عَن غايات مجدهم
[حُسنُ الرِجالِ بِحُسناهُم وَفخرهم ... بِطولِهِم] في المَعالي لا بِطولِهِم
وفي الكَشَّاف: وفيه تنبيه عَلَى أن الخبث والطيب لا يجري أمرهما عَلَى العرق والعنصر، فقد
[يلد] البر الفاجر، والفاجر البر. وهذا مما يهدم أمر الطبائع والعناصر، وعلى أن الظلم في أعقابهما لم
يعد عليهما بعيب ولا نقيصة، وأنّ المرء إنما يعاب بسوء فعله ويعاتب على ما اجترحت يداه، لا على
ما وجد من أصله أو فرعه .