قوله: مناسبة لحالي لأن زمانه زمان كثرة الجبارين وتفاخرهم بقوة الملك ومعجزة كل نبي
من جنس ما اشتهر في زمنه كما غلب في عهد النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ البلغاء فأنزل الْكتَاب
الحاوي لأنواع البلاغة وأصناف البراعة معجزة له عَلَيْهِ السَّلَامُ وفي عهد عيسى غلب الأطباء
فإحياء الموتى ونحوه أُعطي عيسى وكذا أوتي مُوسَى العصا واليد البيضاء لغلبة السحرة في
عهده معجزة لهما عليهما السلام، فمعنى من بعدي عَلَى هذا من دوني كما في قَوْله تَعَالَى:
(فمن يَهْديه من بعد الله) أي من غير الله ؛ إذ البعدية تقتضي المغايرة فيكون
مَجَازًا قدم هذا لأنه مناسب لمقام النبوة. وفي الكَشَّاف: كان سليمان عَلَيْهِ السَّلَامُ ناشئاً في
بيت الملك والنبوة وارثًا لهما فأراد أن يطلب من ربه معجزة فطلب عَلَى حسب إلفه مُلكًا
زائدًا عَلَى المماليك زيادة خارقة للعادة فلا يشبه الحسد والحرص عَلَى الاستبداد بالنعمة أن
يستعطي الله تَعَالَى ما لا يعطيه غيره .
قوله: (أو لا يَنْبَغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة) وفيه إشَارَة إلَى أن السؤال
الْمَذْكُور بعد الافتتان الْمَذْكُور، ولعل لهذا قدم سؤال الْمَغْفرَة عَلَى سؤال الهبة عَلَى أنه عادة
العظماء أن يسلبه مني هذا حاصل الْمَعْنَى لا تقدير في المبني ؛ إذ كون ملكه لغيره في عصره
إنما هُوَ يسلبه منه كما وقع لصخر فالدعاء بعدم كون ملكه لغيره دعاء بعدم سلب أحد ملكه
أو مستلزم له فلا تقدير في النظم ومن بعدي أَيْضًا بمعنى غيري لكن لا مُطْلَقًا بل ممن هُوَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
كيخسرو بن سياوش وسار من الشام إلَى العراق فبلغ خبره إلَى خراسان فلم يلبث كيخسرو قليلًا
حتى هلك ثم سار سليمان إلَى [مرو ثم] إلَى بلاد الترك فتوغل فيها وجاز بلاد الصين ثم عطف إلَى
أن وافى بلاد فارس فنزلها أيامًا ثم عاد إلَى الشَّام ثم أمر ببناء بيت المقدس فلما فرغ سار إلَى تهامة
ثم إلَى صنعاه وتفقد الطير وكان من حديثه مع صاحبة صنعاء ما ذكره الله تَعَالَى وغزا بلاد المغرب
والأندلس وطنجة وأفرعه ونواحيها والله أعلم بحقيقة الحال .
قوله: لا أن لا يعطى أحد مثله فيكون منافسة. أي مفاخرة ومحاسدة من نافست في الشيء
منافسة إذا رغبت فيه عَلَى وجه المباراة في الكرم يعني قال عَلَيْهِ السَّلَامُ(لا يَنْبَغي لأحد من
بعدي)ولم يقصد بذلك الأعظم الملك وسعته كما تقول لفلان ما ليس لأحد من
الفضل والمال وربما كان للناس أمثال ذلك ولكنك تريد تعظيم ما عنده. وعن الحجاج أنه قيل له
إنك حسود. فقال أحسد مني من قال (هب بي ملكًا لا يَنْبَغي لأحد من بعدي) وهذا
من جرأته عَلَى الله وشيطنته، كما حكي عنه: طاعتنا أوجب من طاعة الله لأنه شرط في طاعته(فاتقوا
الله ما استطعتم)، وأطلق طاعتنا فقال (وأولي الأمر منكم) يعني قال تَعَالَى:(أَطِيعُوا
اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)ولم يقل عقيب قوله:(وَأُولِي الْأَمْرِ
مِنْكُمْ)إن استطعتم ولم يعلم أنه تَعَالَى شرط أن يكون من الْمُؤْمنينَ وهو لم يكن
من الْمُؤْمنينَ فإن من في منكم للاتصال لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"من غشنا فليس منا". وقيل إنما قال عَلَيْهِ السَّلَامُ
(لا يَنْبَغي لأحد من بعدي) لأنه كان ملكًا عظيمًا فخاف أن يعطى مثله أحد فلا
[يحفظ] حدود الله فيه كما قال الْمَلَائكَة(أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
بِحَمْدِكَ).