ما فهم من هذا الْمَحْذُوف فلا كلام في عمله مَحْذُوفًا لأن الْمَحْذُوف بالقرينة كالموجود
إذا قدر مقدمًا عَلَى الحال؛ إذ الْمُرَاد به ما تضمن معنى الْفعْل وهو أنبه أو أشير فلا معنى
للإشكال بأن العامل المعنوي كما لا يعمل مقدمًا لضعفه فأولى أن لا يعمل مَحْذُوفًا لأن
هذا غير منقول عن النحاة بخلاف العامل المقدم حاله فإن في عمله اخْتلَافًا بين النحاة
وهذا كالْقيَاس في اللغة وذا لا يجوز، كَمَا صَرَّحَ به في التوضيح .
قوله: (أو التنزيل) عطف عَلَى معنى الإشَارَة أو حال عمل فيها التنزيل لأنه بمعنى
منزل لكونه خبرًا لهذا المقدر وذو الحال الضَّمير المستتر فيه. وقيل أو التنزيل عَلَى أن يكون
حالًا من الْكتَاب فيكون العامل التنزيل وهو تكلف لأن جواز الحال من الْمُضَاف إليه
مَخْصُوص ببعض الصور، وعن هذا قيل وجاز الحال من الْمُضَاف إليه لأن الْمُضَاف مما
يعمل عمل الْفعْل وهو أحد الصور التي يجوز فيها ذلك وهذا ليس بمُتَعَارَف فالاحتمال
الأول هُوَ المعول .
قوله:(والظَّاهر أن الْكتَاب عَلَى الأول السورة وعلى الثاني القرآن، وقرئ «تَنزِيلَ»
بالنصب على إضمار فعل نحو اقرأ أو الزم)والظَّاهر الخ. هذا إذا قدر هذا عَلَى إنه مبتدأ لأنه
يقتضي أن يكون المشار إليه حاضرًا حين التلفظ به، وإنما قال والظَّاهر لإمكان أن يراد جميع
الْقُرْآن بجعل هذا إشَارَة إلَى الموعود إنزاله في الكتب المتقدمة كما أشار إليه في أوائل
سورة البقرة. قوله وعلى الثاني عطف عَلَى الأول أي والظَّاهر أن الْكتَاب عَلَى الثاني الْقُرْآن
كله فإن الْقُرْآن منزل كله من الله تَعَالَى فتَخْصيصه بهذه السُّورَة خلاف الظَّاهر من صح
إرادتها. فإن قيل كما أن الْقُرْآن ليس بحاضر حين التلفظ بهذا كَذَلكَ السُّورَة ليست بحاضرة
أَيْضًا. قلنا إن السُّورَة لما كانت عَلَى شرف الذكر والحضور نزلت منزلة الحاضر ولا كَذَلكَ
الْقُرْآن كله فلا تغفل .
قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) يؤكد كون الْمُرَاد جمع
الْقُرْآن؛ إذ الْمُرَاد به هنا الْقُرْآن ومقتضى القاعدة كون الثاني عين الأول فصيغة
المضي إما للتَغْليب أو لتنزيل منتظر الوقوع منزلة الواقع وتعديته بـ إلى لكونه عليه
السلام غاية الْإنْزَال .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والظَّاهر أن الْكتَاب عَلَى الأول السُّورَة، عَلَى أن تتنزيل الْكتَاب خبر مبتدأ مَحْذُوف يراد
بالْكتَاب السُّورَة. أي هذه السُّورَة قول من عند الله أو هذا تنزيل السُّورَة كائنًا من عند اللَّه يدل عليه ما
جاء في فواتح السور التي خليت بأسماء السور نحو ذلك الْكتَاب و (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ)
فإن الْكتَاب مفسر فيها باسم السُّورَة غالبًا وإن شئت فعليك باستقراء كلام صاحب
الكَشَّاف، وعلى الثاني الْقُرْآن أي الْمُرَاد بالْكتَاب عَلَى أن يكون تنزيل الْكتَاب مبتدأ خبره(من الله
العزيز الحكيم)الْقُرْآن لأن الْمَعْنَى تنزيل الْقُرْآن منْ عنْد اللَّه العزيز الحكيم، وأما عَلَى
القراءة بالنصب عَلَى تقدير الزم أو اقرأ فالظَّاهر أنه الْقُرْآن .