بل عين الفلاح والْأَعْمَال الصالحات معه سبب كمال الفلاح، ولك أن تقول: والْمُرَاد بالشكر
هنا الشكر العرفي فيتناول الإيمان والْأَعْمَال الصالحات والأقوال الصادقات، ولعله لهذا لم
يجئ: [وإن تؤمنوا] فقوله (وإن تشكروا) أبلغ منه.
قوله:(وقرأ ابن كثير ونافع في رواية وأبو عمرو والكسائي بإشباع ضمة الهاء لأنها
صارت بحذف الألف موصولة بمتحرك، وعن أبي عمرو ويعقوب إسكانها وهو لغة فيها)في
رواية أي في رواية نافع فقط فإنه يروى عنه أَيْضًا الاختلاس لأنها صارت بحذف الألف
المقلوبة من الواو من يرضاه لأنه جزاء حذف منه علامة للجزم والقاعدة في إشباع الهاء أن
يتحرك ما قبلها فأشبع بجنس حركة ما قبلها نحو به وله وإن سكن ما قبلها لم تشبع نحو
إليه وعليه، وهنا ما قبلها ساكن تقديرًا وهو الألف الْمَحْذُوفة فـ [حِينَئِذٍ] لا يشبع بالنظر إليه فإن
جعلت موصولة بمتحرك أشبع ولذا قال موصولة بمتحرك الخ. قوله وهو لغة أي لغة بني
عقيل وكلاب إجراء للوصل مجرى الوقف.
قوله: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) أي ولا تحمل نفس حاملة وزرًا وزر
نفس أخرى بل إنما تحمل وزرها فقط. ويفهم منه أن النفس المطيعة كونها غير حاملة وزر
نفس عاصية بطَريق الأولوية ويعلم منه أن كفر الكافر لا يسري إلَى الغير أصلًا، وهذا تأكيد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
فلاحكم فإذن ما كره كفركم ولا رضي شكركم إلا لكم ولصلاحكم لا لأن منفعته ترجع إليه لأنه
الغني الذي لا يجوز عليه الحاجة. وفي الكَشَّاف:[ولقد نمحل بعض الغواة ليثبت لله تعالى ما نفاه عن ذاته
من الرضا لعباده الكفر]قال الإمام:[احْتَجَّ الْجُبَّائِيُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُجْبِرَةَ يَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ كُفْرَ الْعِبَادِ وَإِنَّهُ مِنْ جِهَةِ مَا خَلَقَهُ حَقٌّ وَصَوَابٌ، قَالَ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَكَانَ قَدْ رَضِيَ الْكُفْرَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي خَلَقَهُ، وَذَلِكَ ضِدُّ الْآيَةِ الثَّانِي: لَوْ كَانَ الْكُفْرُ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَرْضَى بِهِ لَأَنَّ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبٌ، وَحَيْثُ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَلَيْسَ أَيْضًا بِرِضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّ عَادَةَ الْقُرْآنِ جَارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ الْعِبَادِ بِالْمُؤْمِنِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) وَقَالَ: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ) وَقَالَ: (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ: (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) وَلَا يَرْضَى لِلْمُؤْمِنِينَ الْكُفْرَ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّنَا الثَّانِي: أَنَّا نَقُولُ الْكُفْرُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا نَقُولُ إِنَّهُ بِرِضَا اللَّهِ لِأَنَّ الرِّضَا عِبَارَةٌ عَنِ الْمَدْحِ عَلَيْهِ وَالثَّنَاءِ بِفِعْلِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ يَمْدَحُهُمْ وَيُثْنِي عَلَيْهِمْ الثَّالِثُ: كَانَ الشَّيْخُ الْوَالِدُ ضِيَاءُ الدِّينِ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: الرِّضَا عِبَارَةٌ عَنْ تَرْكِ اللَّوْمِ وَالِاعْتِرَاضِ، وَلَيْسَ عِبَارَةً عَنِ الْإِرَادَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ:
رَضِيتُ قَسْرًا وَعَلَى الْقَسْرِ رِضَا ... مَنْ كَانَ ذَا سُخْطٍ عَلَى صَرْفِ الْقَضَا]
قال الواحدي: معنى الآية إن تَكْفُرُوا يا أهل مكة فإنَّ اللَّهَ تَعَالَى غني عن عبادتكم. وعن ابن
عباس رضي الله عنهما: لا أرضى لأوليائي وأهل طاعتي الكفر. هذا طريق من قال بالتَّخْصِيص، ومن
أجراها عَلَى العموم قال لأن الله تَعَالَى لا يرضى الكفر لأحد، وكفر الكافر غير مرضي للَّه وإن كان
بإرادته لأنه لا يمدحه ولا يثني عليه.
قوله. بإشباع ضمة الهاء. قال الواحدي منهم من أشبع الهاء حتى ألحق بها واوًا لأن ما
قبلها متحركة فصارت بمنزلة ضربه وله، ومنهم من حرك الهاء ولم يلحق بالواو لأن أصله
يرضاه [بالألف] .