على مشاق الطاعات من احتمال البلاء ومهاجرة الأوطان لها) فمن تعسر عليه الخ. إشَارَة
إلى ارتباطه بما قبله توضيحه أن قوله: (للَّذينَ أحسنوا) مستأنف تعليل
للأمر بالتَّقْوَى ولذا قيد بالدُّنْيَا حيث كان الدُّنْيَا مزرعة الْآخرَة وذكر هذه الْجُمْلَة عقيبها
لئلا يعتذر بالضعف والْقَوْل بأنا كنا مستضعفين في الْأَرْض فإن هذا الاعتذار ليس
بمقبول كما قَالُوا: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) علم أن
قوله: (وأرض الله واسعة) كناية عَمَّا ذكره المص وفيه دليل عَلَى وجوب
الهجرة إذا لم يتمكن بأداء الواجب إلَى حيث تمكن منه وقد مر مزيد التفصيل في سورة
النساء ومهاجرة الأوطان هذا منفهم مما قبله لأن قوله: (وأرض الله واسعة) .
كناية عن الهجرة حين العسرة.
قوله: (أجرًا لا يهتدي إليه حساب الحساب) إشَارَة إلَى أن (بغير حساب)
صفة أجرهم أو حال منه وهو الأولى وكونه حالًا من الصابرون بعيد لفظًا
وإن كان قريبًا معنى، وفي قوله: لا يهتدي الخ. اسْتعَارَة بديعة وكن عَلَى بصيرة.
قوله:(وفي الحديث إنه «ينصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة
والحج فيوفون بها أجورهم، ولا ينصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر صبًا حتى
يتمنى أهل العافية في الدُّنْيَا)وفي الْحَديث الخ. رواه الطبري وأبو نعيم في الحلية عن
ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - وهو ضعيف كما قاله العراقي لكنه لا يضر في
فضائل الْأَعْمَال.
قوله: (أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل») أن
أجسادهم الخ. فيه إشَارَة إلَى أن الصابرون يعم الصابرين عَلَى مشاق الأمراض والأسقام وأن
هذا الصبر له مزية عَلَى سائر الصبر لكن كون الصابرين عامًا لهم لا يناسب ما قبله فتأمل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *ل
من الْأَنْبيَاء والصالحين لصبرهم عَلَى مهاجرتهم إلَى غير بلادهم ليزدادوا إحسانًا إلَى إحسانهم
وطاعة إلَى طاعتهم، فلكم الأجر وتوفيته إذا اقتفيتم أثرهم واهديتم بهداهم. هذا التأويل إنما يحسن
إذا علق الظَّرْف بـ أحسنوا لا بـ حسنة ومن ثم كان الوجه الثاني مرجوحًا لا لما قاله مكي من أن الأول
أحسن لأن الدُّنْيَا ليست بدار جزاء؛ لأن الْمَعْنَى حِينَئِذٍ لهم في هذه الدُّنْيَا الصحة والعافية وفي
الْآخرَة يوفون أجورهم كاملة وعلى الأول الْمَعْنَى أن لهم وراء دخول الجنة ما لا عينٌ رأت ولا
أذن سمعت فوضع الصابرون مَوْضع الضَّمير للعلية وهنا أَيْضًا نكتة سرية وهي أن اسم الإشَارَة في
هذه الدُّنْيَا كما هُوَ في قوله:
هذَا أبُو الصَّقْرِ فَرْدًا في مَحَاسِنِه
لا كما في قوله: ( [وَمَا الْحَيَاةُ] الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) للإشعار بأن
الدار نعم الدار إذا جعلت مكانًا للعمل وحرثًا للآخرة.