قوله: (ثم تلين جلودهم) الظَّاهر أن (ثُمَّ) للتراخي الرتبي لأنه يجوز أن يوجد إذا
سمعوا الْقُرْآن وما فيه من الوعد الباعث للسرور قبل ذلك الخوف زمانًا وهذا أَيْضًا كناية عن
كمال السرور ؛ إذ [لين] الجلود عبارة عن عدم تقبضه فكما أن الانقباض كناية عن شدة
الخوف أو اسْتعَارَة كَذَلكَ عدم الانقباض كناية عن كمال السرور أو اسْتعَارَة وكذا الْكَلَام في
لين الْقُلُوب كناية أو اسْتعَارَة ؛ إذ أصل اللين ليس بمتحقق فيهما .
قوله:(بالرحمة وعموم المغفرة، والإِطلاق للإشعار بأن أصل أمره الرحمة وأن رحمته
سبقت غضبه)بالرحمة أشار به إلَى أن الْمُرَاد إلَى ذكر رحمة الله ومغفرته. قوله والإطلاق أي
إطلاق ذكر الله حيث لم يجئ إلَى ذكر رحمة الله وذكر مُطْلَقًا للإشعار الْمَذْكُور وفيه مُبَالَغَة
في بيان الرحمة والْمَغْفرَة ولو ذكر الرحمة لفات تلك المُبَالَغَة .
قوله: (والتعدية بـ إِلى لتضمين معنى السكون والاطمئنان) وبهذا يظهر حسن المقابلة
ية وبين تقشعر فهذا أبلغ من الْقَوْل ثم تسكن الخ.
قوله: (وذكر الْقُلُوب لتقدم الخشية التي هي من عوارضها أي الْكتَاب أو الكائن من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والإطلاق. أي إطلاق ذكر الله حيث لم يقيد بالمتعلق ولم يقل ذكر الله بالرحمة
للإشعار الخ. يعني أن أصل أمره الرحمة والرأفة ورحمته هي سابقة غضبه فلأصالة رحمته إذا ذكر
لم يخطر بالبال قيل كل شيء من صفاته إلا كونه رءوفًا رحيمًا .
قوله: والتعدية بـ إلى. أي تعدية لانَ بكلمة إلَى لانَ لأن ضمن معنى فعل متعد بـ إلى كأنه قيل:
سكنت واطمأنت إلَى ذكر الله لينة غير منقبضة راجية غير خاشية .
قوله: وذكر الْقُلُوب لتقدم الخشية. هذا بيان لوجه تَخْصيص الْقُلُوب بالذكر وتلخيصه أنه إذا
ذكرت الخشية التي محلها الْقُلُوب فقد ذكرت الْقُلُوب فكأنه قيل تقشعر جلودهم من آيات الوعيد
وتخشى قلوبهم في أول وهلة فإذا ذكروا الله وبناء أمره عَلَى الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء
في قُلُوبهمْ وبالقشعريرة لينًا في جلودهم. روى الإمام عن لسان أهل العرفان العارفون السائرون في
بيداء جلال الله تَعَالَى فإن نظروا إلَى عالم الجلال طاشوا وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال
عاشوا. وقال الطيبي: اعلم أن الله تَعَالَى لما وصف الْقُرْآن بالمجيد وبالغ في مدحه حتى بلغ
غايته من الْكَمَال عَلَى ما سبق في قوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا) .
وأراد أن يبين كيفية هدايته للخلق فإن جل الغرض من الكُتب السماوية الهداية قال(مَثَانِيَ
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)يعني من أراد الله أن يهديه أوقع في قلبه
الخشية كقوله (هُدًى للْمُتَّقينَ) ثم يتأثر منه ظاهره بأن يأخذه في بدء الحال
قشعريرة في الجلد لضعف الحال وقوة سطوة الوارد فإذا أنس سماعه وألف أنواره يلين جلده
فيتأثر منه القلب فيطمئن إليه فتنقلب النفس الأمارة مطمئنة: (ألا بذكر الله تطمئن الْقُلُوب)
فكما يتأثر الظَّاهر من القلب في بدء الحال ينعكس في ثاني الحال ويتأثر القلب
من الظَّاهر ولذلك جعل اقشعرار الجلد تابعًا لخشية الله أولًا ولين القلب تابعًا للين الجلد ثانيًا
فيستمد الظَّاهر من الباطن أنواره والباطن من الظَّاهر إشَارَة فلا في الشأن يتناوبان حتى تصعد
النفس بذلك إلَى مدارج القدس ومعارج الْكَمَال .