قوله: (مُبَالَغَة في الْإثْبَات) لأنه نفي النفي وهو إثبات فهو كدعوى الشيء ببينة فهو
أبلغ من قوله: الله كاف عبده .
قوله: (والعبد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) فالْإضَافَة للعهد بناء عَلَى أنه فرد أكمل ؛ إذ صفة
العُبُوديَّة أشرف أوصافه لكن كفايته لجميع عباده المخلصين مفهوم منه بطَريق الإشَارَة .
قوله: (ويحتمل الجنس ويؤيده قراءة حمزة والكسائي «عباده» وفسر بالْأَنْبيَاء) ويحتمل
الجنس ضعفه مع كونه مؤيدًا لما ذكرنا ولقوله (ويخوفونك) الآية. فإن
خطاب الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ يرجح الأول. قوله وفسر بالْأَنْبيَاء لكونهم أفرادًا كاملة، وأَيْضًا
التَّشْريف المُسْتَفَاد من الْإضَافَة يناسبهم فيدخل عَلَيْهِ السَّلَامُ دخولًا أوليًّا .
قوله: (يعني قريشًا فإنهم قالوا له إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا بعيبك إياها) يعني قريشًا
والتخويف لما كان فعلهم لكونه عَلَيْهِ السَّلَامُ بين أظهرهم أضمروا وإن لم يتقدم ذكرهم.
قوله: إن تخيلك من التخييل وهو إفساد العقل بمس من الجن، فيخوفونك إما حكاية الحال
الْمَاضية أو الاسْتمْرَار وتقديم قوله: (أليس الله بكاف عبده) فيه لطف عظيم
بأنه تَعَالَى كاف عبده في الحفظ والحراسة قبل إخبار التخويف نظيره قَوْلُه تَعَالَى:(عفا
الله عنك لم أذنت لهم)الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والعبد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - روي أن قريشًا قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنا نخاف أن [تخبلك] آلهتنا
وإنا نخش عليك معرتها لعيبك إياها. ويروى أنه بعث خالدًا إلَى العزى ليكسرها فقال له [سادنها]
أحذركها يا خالد إن لها شدة لا يقوم لها شيء فعمد خالد إليها فهشم أنفها فقال للَّه عز وجل
(أليس اللَّه بكاف عبده) أن يعصمه من كل سوء ويدفع عنه كل بلاء في مواطن
الخوف. وهذا تهكم بهم لأنهم خوفوه ما لا يقدر عَلَى نفع ولا ضر، وإذا قرئ عباده يكون الْمُرَاد
الْأَنْبيَاء ولقد قالت أممهم لهم نحو ما قَالُوا له - صلى الله عليه وسلم - من التخويف بآلهتهم وذلك قول هود(إِنْ نَقُولُ
إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ)ويحتمل أن يراد بالعبد أو العباد الجنس عَلَى الإطلاق
لأن الله تَعَالَى كافيهم في الشدائد وكافل مصالحهم فهذه الآية متصلة بقوله:(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا
فِيهِ شُرَكَاءُ)الآية. لأنه لما آذن بتوهين أمر الأصنام وتسفيه رأيهم والتسجيل عَلَى
جهلهم شجع رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأمره أن لا يكترث بهم وأصنامهم فكأنهم لما عجزوا عن الْجَوَاب وظهر
تبكيتهم خوفوه بمعبوديهم. قال الطيبي رحمه الله: وما أحسن هذا النظم وما ألطف موقع معنى الكناية
وتَخْصيص لفظ العبد ووصف الأصنام بالَّذينَ من دونه شاهدًا للمقام وما أدق هذا التعريض بحال
عبد يثبت معبودات شتى ويدعي كل واحد منها عبوديته ويبقى هُوَ متحيرًا ضائعًا، وحال عبد لم
يثبت إلا معبودًا واحدًا فهو قائم لما كلفه القيام به عارف بما يرضاه، وهذه الآية متصلة أيضًا بما
بعده من قوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) .