مر غير مرة تقدير الكراهة وهي ضد الرضاء فإن الكراهة ليس ضدًا للإرادة لجواز جمعهما
في شرب الدواء الكريه إذا اعتقد نفعه وأراد شربه كما في المواقف وشرحه.
قوله: (وتنكير نَفْسٌ لأن القائل بعض الأنفس) وهم المقصرون في الْأَعْمَال.
قوله:(أو للتكثير كقول الأعشى:
وَرُبَّ بَقِيعَ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّه ... أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضبا)
أو للتكثير (أوْ) لمنع الخلو؛ إذ لا منافاة بَيْنَهُمَا، ولما كان كونه للتكثير قليلًا بالنسبة إلَى
كونه للتقليل أيده شاهد من كلام الشاعر. قوله: وَرُبَّ بَقِيعَ. هُوَ اسم مَوْضع بعينه لا المقبرة
تشبيهًا ببقيع الفرقد وهو مقبرة المدينة المنورة كما توهم لو هتفت بمعنى صحت بجوه
والجو هنا ناحية الفضاء ويَنْفُضُ بالفاء والضاد الْمُعْجَمَة ويجوز أن يكون بالغين الْمُعْجَمَة
ومعناه يحرك. والشاهد قوله كريم فإن الْمُرَاد به التكثير أي قوم كثير كرام كذا نقل عن
شارح قصيدة الأعشى والمثال للتكثير في الْمَعَاني [[أن له لا بلا. أي لا بلا] ] كثيرًا.
قوله: (وَقُرئَ بالياء على الأول) وما اختاره قراءة الألف مبدلة من الياء أي يا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو للتكثير. أي أو تنكير نفس للتكثير عَلَى الاسْتعَارَة لأن أصل التنكير ليس للتكثير
حَقيقَة وكذا رُبَّ في قوله رُبَّ بلد قطعت ورُبَّ بطل قاتلت، فإن وضع رُبَّ حَقيقَة للتقليل وقد
يستعار للتكثير والمستشهد به في قول الأعشى ورُبَّ بقيع البيت هُوَ لفظ كريم يريد بـ ياء كثرة من
يجيب إلَى نصرته لأنه في مقام مدح نفسه وكثرة ناصريه لأن كريمًا واحدًا أجابه ينفض الرأس أي
يحركه غضبًا وقبله دعا قومه حولي فجاءوا لنصره:
وناديت قومًا بالمسناة غيبا
والبقيع مَوْضع فيه أروم الشجر من ضروب شتى. والهتاف الصوت، والْمُرَاد هنا النداء والجو
الفضاء وكذا الْمُرَاد من قوله رُبَّ بلد قطعت إنه جواب للغيافي، ومن قوله رُبَّ بطل قاتلت إن دأبه
وعادته مقارعة الأبطال، فعلى هذا الْمُرَاد بالنفس جميع الأنفس المؤمنة والكافرة ولفظة (أَوْ) في قوله
تَعَالَى (أو تقول) لتنويع الْقَوْل.
قوله: وقرئ بالياء عَلَى الأصل. أي قرئ يا حسرتي بالياء وكسرت التاء عَلَى الأصل لأن
أصل الألف الياء أبدلوا الألف من الياء هربًا من ثقل الياء إلَى خفة الألف نحو يا غلامًا. وفي
الكَشَّاف: وَقُرئَ يا حسرتي عَلَى الأصل ويا حسرتاي عَلَى الجمع بين العوض والمعوض [عنه] . قال
ابن جني: قرأ ابى جعفر يا حسرتاي. وفيها إشكال لأن الألف فيه بدل من ياء يا حسرتي هربًا من ثقل
الياء إلَى خفة الألف وكان يَنْبَغي أن لا يؤتى [بياء] المتكلم بعد الألف لئلا يجتمع العوض
والمعوض [عنه] ومثله ما أنشده أبو زيد:
: إني إذا ما حدث ألما ... أقول يا اللهم يا اللهما
فجمع بين ياء والميم، وإنَّمَا الميم عوض [عن] ياء النداء. قال الطيبي: ويمكن أن يقال: إن المفرط
لما شاهد نتيجة كمال تفريطه فيما ينجيه من ذلك الهول ونهاية خيبته من الفوز والفلاح تضجر