قوله: (وما أعلمكم إلا ما علمت من الصواب وقلبي ولساني متواطئان عليه) وما
أعلمكم أي الهداية بمعنى اللغوي وهي الإعلام إلا ما علمت الخ. إذ الإعلام يستلزم العلم
وهنا الغرض النفي والْإثْبَات لقوله (إلا سبيل الرشاد) فأَشَارَ إلَى معنى الاستثناء قبل ذكره فلا
ضير فيه. قوله وقلبي معنى (ما أريكم إلا ما أرى) ولساني معنى (وما أهديكم إلا سبيل) الخ.
وهذا بناء عَلَى ما اختاره من أن الرؤية هي الرأي وهي حال القلب وأن الهداية هي الإعلام
وهو فعل اللسان فلا خلل في ترتيبه .
قوله:(طريق الصواب، وقرئ بالتشديد على أنه فعال للمبالغة من رشد كعلام، أو [من] رشد
كعباد لا من أرشد كجبار [من أجبر] لأنه مقصور على السماع) وَقُرئَ بالتشديد من رشد من باب علِم
كعلام فإنه من علِم بكسر اللام من الثلاثي أو من رشَد بفتح الشين كعباد فإنه من عبد من
الباب الأول أَشَارَ إلَى أن هذه الصيغة التي للمُبَالَغَة بنيت من الثلاثي من باب علِم ومن باب
نصر ولم يجئ من المزيد إلا في ألفاظ نادرة وردت عَلَى خلاف القياس وهي دراك من
أدرك وقصار من أقصر عن الشيء وجبار من أجبر وشار من أسار، ولهذا قال الْمُصَنّف لا
من أرشد الخ. ورشد من الثلاثي بمعنى هدى وأصاب الحق قال في قَوْله تَعَالَى: (لعلهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وما أعلمكم إلا ما علمت. ولعل الواو فيه سهو من الناسخين وأصل النسخة أو ما
أعلمكم بأو. العلم صلة وأن مَوْضع هذا التَّفْسير ما قيل قوله: (وما أهديكم) لأنه
إنما يناسب قوله: (ما أريكم إلا ما أرى) دون قوله:(وما أهديكم إلا سبيل
الرشاد).
قوله: من رشد كعلام. أي من رشِد بالكسر كعلام من علِم أو من رشَد بالفتح كعباد من عبد
لا من أرشد كجبار من أجبر لأنه مقصور على السماع. قال ابن جني: قراءة الرشاد بالتشديد قراءة
معاذ بن جبل عَلَى المنبر وهو إما من رشد يرشد كعلام من علِم يعلم أو من رشَد يرشد كعباد من
عبد يعبد ولا يحمل عَلَى أرشد لأن فعالًا لم يأت من أفعل إلا محفوظة نحو أجبر فهو جبار وأسأر
فهو سئار وأقصر فهو قصار وأدرك فهو دراك عَلَى أنهم قَالُوا جبره عَلَى الأمر وقصر عن الأمر
فيَنْبَغي أن يكون جبار وقصار من فعل وكذا يَنْبَغي أن يعتقد في سئار ودراك عَلَى أنهما خرجا
بحذف الزّيَادَة فصار إلَى سئار ودراك تقديرًا وإن لم يخرجا إلَى اللَّفْظ اسْتعْمَالًا كما قَالُوا أبقل
المكان فهو باقل وأورس الرفث فهو وارس وقَالُوا ألقحت الريح السحاب وهي لاقح وهذا عَلَى
حذف همزة أفعل، وإنما قياسه ملقح، فعلى هذا خرج الرشاد إلَى رشد بمعنى أرشد تقديرًا لا
اسْتعْمَالًا. فإن قيل فإن الْمَعْنَى إنما هُوَ عَلَى أرشد فَكَيْفَ أجزت أن يكون مجيئه من [رشد أو رشد] في
معنى أرشد وأنه ليس من لفظ أرشد. قيل الْمَعْنَى راجع إلَى أنه مرشد لأنه إذا رشد أرشد لأن
الإرشاد من الرشد فهو من باب الاكتفاء بالسبب عن المسبب وعليه قَوْلُه تَعَالَى:(وأرسلنا الرياح
لواقح)أنها من لقحت هي وإذا لقحت ألقحت غيرها .