الدأب بمعنى دائبًا فهو مصدر دأب في الحمل إذا كدح فيه ثم نقل إلَى معنى الشأن والعادة
وهي عملهم وطريقتهم الذي دأبوا فيه أي داوموا عليه قدر الْمُضَاف وهو الْجَزَاء لأن
المخوف في الْحَقيقَة جزاء العمل قيل دائبًا خبر ثانٍ سببي لكان، وهو أولى من كونه حالًا من
المجرور والإيذاء بمعنى [الإيذاء] صحيح .
قوله: (وما الله يريد ظلما للعباد) وقد عرفت أن الظلم لا يتصور في حقه تَعَالَى
لأنه تصرف في ملكه، فالْمَعْنَى وما الله يريد صورة ظلم وهذا أبلغ من قوله:(وما يريد الله
ظلمًا)لتكرر الإسناد ولتقوي الحكم وتنكير ظلمًا للتحقير وفي قوله للعباد
لطف لا يخفى والعباد هنا عامة للأبرار والأشرار .
قوله: (فلا يعاقبهم بغير ذنب ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام، وهو أبلغ من قوله:
(وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) من حيث أن المنفي فيه حدوث تعلق إرادته
بالظلم) أَشَارَ إلَى أن صفة الإرادة قديمة وتعلقها حادث وهو مختار أكثر الْمُتَكَلّمينَ ولا
ريب في أن نفي إرادة الشيء أبلغ من نفي الشيء. قوله: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ) .
المُبَالَغَة في نفي الظلم لا نفي مُبَالَغَة الظلم وسيجيء تفصيله ولا يخلي أي لا يترك من
التخلية بمعنى الترك أي لا يتركه سالمًا عن الانتقام منهم هذا عطف عَلَى قوله فلا يعاقبهم
فكما أنه تفريع عَلَى النظم فكذا هُوَ تفريع عليه فإنه إذا لم يرد الظلم لم يرد ترك الانتقام
لأن ترك الانتقام في صورة الظلم فلا إشكال في التفريع فقول بعضهم في صحة تفريعه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو أبلغ من قوله: (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) حيث جعل المنفي هنا
إرادة الظلم فإن من كان عن إرادة الظلم بعيدًا كان عن الظلم أبعد وهناك أن يكون مبالغًا في الظلم
وكم بين النفيين ولأبلغية هذا من ذاك وجه آخر ذكره صاحب الكَشَّاف وهو تنكير ظلصأ كأنه نفى أن
يريد ظلمًا ما وليس التنكير في ظلَّام مثله لأن ظلَّامًا بناء مبالغة والتنكير يتبعه في التَّفْخيم والتكثير
والمُبَالَغَة في ظلمًا مُسْتَفَادة من إفادة التنكير لمعنى التقليل ولا مانع هنا من حمل التنكير عَلَى التقليل
وهناك مانع. قال صاحب الكَشَّاف: ويجوز أن يكون معناه كمعنى قوله (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)
أي لا يريد لهم أن يظلموا. يعني أنه دمرهم لأنهم كانوا ظالمين ومعناه عَلَى ما قال(وَلَا
يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)رحمة لهم لأنه يوقعهم في الهلكة، وفيه أنهم بأنفسهم يكفرون ويوقعونها في
المهلكة وكَذَلكَ قوله (وما الله يريد ظلمًا للعباد) معناه لا يريد لهم أن يظلموا فيوقعوا أنفسهم بسَبَب
الظلم في الدمار ولكنهم هم الَّذينَ ظلموا فتعرضوا للدمار فلذلك دمرناهم. والْمَعْنَى عَلَى الوجه الأول
جازيناهم بالإهلاك فعدلنا فيهم ، وعلى الثاني أهلكناهم لأنهم كانوا ظالمين. قال صاحب الانتصاف: هذا
من الطراز الأول وقد سبق من إبطاله ما يغني عن إعادته. وقال الطيبي: إن مؤمن آل فرعون لما نصح
القوم وأرشد إلَى طريق الإيمان إلَى أن انتهى إلَى قَوْله (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا) وما زاد