قوله: (فإن ما بعده أيضًا تفسير لما أجمل فيه) تعليل لقوله وعطفه الخ. أي فإن ما بعد
النداء الثالث أَيْضًا كالنداء الثاني تفسير لما أجمل فيه أي في النداء الأول ولما شارك الثاني
في بيان المجمل عطف عليه .
قوله: (تصريحًا أو تعريضًا) في هذا تفسير عَلَى سبيل اللف والنشر فالتصريح في
الثالث والتعريض في الثاني لأن فناء الدُّنْيَا وقرار الْآخرَة وكونها دار الْجَزَاء يفهم منه أن
الدعوة إليه عين الحق والرشاد .
قوله: (أو عَلَى الأول) أي عطفه عَلَى النداء الأول قيل هذا ما اختاره الزَّمَخْشَريّ لأنه
بين أن سبيل الرشاد وهو ما دعاهم إليه لأنه منج وغيره مهلك موصل إلَى الثاني والاسْتفْهَام
للتعجب والتوبيخ لكن لا لدعوته إياهم إلَى النجاة بل لدعوتهم إياه إلَى النَّار .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
عليه النداء الثالث من قوله: (وأنا أدعوكم إلَى العزيز الغفار) أي إلَى توحيده، وأما
الإجمال عَلَى وجه التعريض ففي قوله: (اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ) فإن فيه
تعريضًا بأن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي وسبيل الغي مجمل بينه ما في النداء الثالث من قوله:
(تدعونني لأكفر باللَّه) فعلم منه أن سبيل الغي هُوَ الكفر باللَّه كما علم من قوله:
(وأنا أدعوكم إلَى العزيز الغفار) أن سبيل الرشاد هُوَ توحيد الله تَعَالَى. قال الطيبي:
يأبى أن يكون الثالث داخلًا في الشأن ما فيه من الغلظة والوعيد إلَى حلول الدمار وتصريح المتاركة
بقوله: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ) الآية. وقد مَرَّ غير مرة أن دأب الْأَنْبيَاء والداعين
إلى الله تَعَالَى سلوك طريق الملاطفة وسبيل إرخاء العنان في الدعوة ثم إذا أيقنوا أن ذلك النوع لا
يجدي فيهم أتوا بالتوبيخ والتغليظ ثم بعده بما يؤذن بالمتاركة والإقناط ويتحقق الفصل بالهلاك
والدمار كَذَلكَ سلك هَاهُنَا .
قوله: أو عَلَى الأول. عطف عَلَى النداء الثاني في قوله عطفه عَلَى النداء الثاني. فإن قيل قد أقر
واعترف رحمه الله بأن ما بعد النداء الثالث أَيْضًا تفسير لما أجمل في الأول تصريحًا أو تعريضًا
فعلى هذا يكون بين الثالث والأول كمال الاتصال كما بين الثاني والأول، فيوجب ذلك ترك العطف.
قلنا إن الثالث في النَّار للأول ليس كالثاني كما قال صاحب الكَشَّاف، وأما المجيء بالواو العاطفة
فلأن الثاني داخل عَلَى كلام هُوَ بيان للمجمل وتفسير له فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع
دخول الواو، وأما الثالث فداخل عَلَى كلام ليس بتلك المثابة وقال الشارحون يعني قوله:(ويا قوم
ما لي أدعوكم إلَى النجاة)ليس من جنس الْكَلَام المفسر وهو(أهدكم سبيل
الرشاد)فجيء بالعاطف ليكون عطفًا عَلَى قوله: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ) أتاهم بنوعين من
الْكَلَام أحدهما في الترغيب عن الدُّنْيَا وتصغير شأنها والتحريض عَلَى الاطلاع عَلَى حَقيقَة الْآخرَة