مُبَالَغَة أي لكمال سببيته للإبصار جعل كأنه مبصرًا بخلاف الليل فإنه ظرف مجرد لا سبب
للسكون فلا يحسن أن يقال ساكنًا فيه للمُبَالَغَة .
قوله: (لا يوازنه فضل، وللإِشعار به لم يقل لمفضل) لا يوازنه فضل هذا منفهم من
تنوين فضل فإنه للتعظيم. قوله وللإِشعار به لم يقل لمفضل لأنه يدل عَلَى تعظيم ذاته صراحة
دون فضله وليس هذا بمقصود هنا هذا مراده، ولا يخفى ما فيه لأن المشتقات يراد فيها
الصفات قصدًا فلذا قيل عالم قادر مريد في إثبات العلم والقدرة والإرادة له تَعَالَى، ولو قيل
التَّعْبير بذو فضل يفيد المُبَالَغَة لم يبعد .
قوله: (لجهلهم بالنعم وإغفالهم مواقع النعم) إما حقيقة وهم الكفرة المقلدون أو
حكمًا بتنزيل علمهم به منزلة عدم العلم لعدم جريهم عَلَى موجب العلم .
قوله: (وتكرير النَّاس لتَخْصيص الكفران بهم) أي لما فيه من مزيد البيان لا سيما إذا
وقع موقع الضَّمير فهو يدل عَلَى أن كفران النعمة مَخْصُوص بهم وهو شأنه فمن شكر فهو
بتوفيق الله تَعَالَى لا بمعنى التَّخْصِيص الحصري ؛ إذ الجن لا يشكر أكثرهم إلا أن يراد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الآية المُبَالَغَة في وصف تهيئ أسباب المعاش وسهولة تأتيها لأن زمان التعايش هُوَ النهار لنورانيته
فجعل كأنه هُوَ المبصر .
قوله: ولذلك عدل به عن التعليل إلَى الحال. يعني كان مقتضى ظَاهر النظم أن يقال والنهار
لتبصروا فيه ليوافق لتسكنوا فيه في كونه تعليلًا لكن غير عنه إلَى جعله حالًا من النهار ليفيد المُبَالَغَة
في كونهم مبصرين بإسناد الإبصار إلَى ضمير النهار، وإنَّمَا لم يسند السكون إلَى الليل في مناظره
حيث لم يقل جعل لكم الليل ساكنًا عَلَى الإسناد المجازي أَيْضًا ليتطابق الليل والنهار حالًا بل قرن
الليل بالْمَفْعُول له والنهار بالحال ولم يكن السكون والإبصار حالين أو مَفْعُولًا لهما فيراعى حق
المقابلة لأن مؤدى أحدهما مؤدى الآخر معنى وإن تغايرا من حيث اللَّفْظ فهما متقابلان من حيث
الْمَعْنَى، ولأنه لو قيل ساكنًا والليل يجوز أن يوصف بالسكون عَلَى الْحَقيقَة، أَلَا [تَرَى] إلَى قَوْلهم ليل
ساج وساكن لا ريح فيه لم يتميز الْحَقيقَة من الْمَجَاز وذلك أن ساكنًا يجوز حمله عَلَى الْحَقيقَة كما
يجوز حمله عَلَى الْمَجَاز. فلو قيل ساكنًا لبقي اللَّفْظ دائرًا بين المَعْنَيَيْن أحدهما المقصود وهو إرادة
المجاز؛ إذ الْمُرَاد أن يكون النَّاس في الليل ساكنين، والآخر غير مقصود وهو إرادة الْحَقيقَة فوجب
التصريح بقوله: (لتسكنوا) لئلا يلتبس الغرض هذا تحقيق ما في الكَشَّاف. قال
صاحب الفرائد: قوله الليل يجوز أن يوصف عَلَى الْحَقيقَة بالسكون منظور فيه لأن إضافة السكون
إلى الليل باعْتبَار أنه لا ريح فيه فالسكون للريح لا لليل، ولا يلزم من قولهم ليل ساج وساكن أن
يكون السكون الليل حَقيقَة .
قوله: وللإشعار به لم يقل لمفضل. معنى أن المقصود المُبَالَغَة بتنكير الفضل وأنه فضل لا
يوازيه فضل وذلك لا يتأتى إلا بالْإضَافَة فإنه إذا جعل فضل مضافًا إليه رجع معنى التنكير إليه ولو
قيل لمفضل لم يوجد هذا الْمَعْنَى .
قوله: وتكرير النَّاس لتَخْصيص الكفران بهم. قال صاحب الفرائد: وضع الظَّاهر مَوْضع
المضمر للإيذان بأنهم لا يشكون لكونهم ناسًا لأن الشر معجون في طينة النَّاس وهذا الغالب عليهم