قوله: (يمنعنا عن التواصل) أي الوصول إليك واستماع قولك التفاعل بمعنى
الوصول عبر به للمُبَالَغَة.
قوله:(ومن للدلالة على أن الحجاب مبتدأ منهم ومنه بحيث استوعب المسافة
المتوسطة ولم يبق فراغ)ومن أي كلمة من للابتداء وجهه ما ذكره أي أن الحجاب عريض
مستوعب للمسافة المتوسطة بَيْنَهُمَا فيكون أبلغ في منع الوصول وليست (مِن) زائدة؛ إذ الفرق
بين قولهم الحجاب بيننا وبينك وقولهم الحجاب من بيننا وبينك عَلَى أن (مِنْ) ابتدائية واضح
كما عرفته عَلَى أن زيادة من في الْإثْبَات غير فصيح فاندفع الاعتراض بأنه لا فرق بين وجود
من وعدمه كأنه غفل عن إشَارَة الشَّيْخَيْن فإن معنى البين الوسْط بسكون السين سواء كان
حاقًا أو لا، فإذا كان مبدأ الحجاب من البين الذي اعتبر من الطرفين يفيد استيعاب المسافة
المتوسطة لما عرفت أن البين ليس بمختص بحلق الوسَط بفتح الشين والابتداء مستلزم
للانتهاء وانتهاؤه الطرف الآخر؛ إذ لا أولوية لبعض الأجزاء فيحصل الاستيعاب بلا ارتياب
فَكَيْفَ يقال إنه لا فرق بين وجود من وعدمها فإنه يدل عَلَى حجاب ما عند عدم من بلا
ابتداء وانتهاء وقد قيل الابتداء من حال الوسط بعيد الاستيعاب أَيْضًا للزوم كون الانتهاء
لجميع الأطراف لعدم الأولوية. قيل هذا ليس ما قرر في الْكتَاب ولا يتوقف هذا عَلَى تقدير
من قبل بين الثاني ولا إعادة بين كما جمعه الشارح المحقق ردًا عَلَى غيره من الشراح، وإنما
ذهبوا إلَى ما ذكر صونًا لكلام الله تَعَالَى عن زيادة من بلا فَائدَة لكن فيه بحث لا يخفى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ومن للدلالة عَلَى أن الحجاب مبتدأ منهم، ومنه قال صاحب الكَشَّاف ولو قيل وبيننا
وبينك حجاب لكان الْمَعْنَى أي حجاب حاصل وسط الجهتين وإما بزيادة من، فالْمَعْنَى أن الحجاب
ابتداء منا وابتداء منك فالمسافة المتوسط لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب ولا فراغ فيها. وقال
صاحب الانتصاف: مقتضى كلامه أن يكون من مقدرة عَلَى بين الثانية لأنه جعلها مفيدة للابتداء
فكأنه قيل ومن بيننا وبينك حجاب وهو غلط فإن بين لا يصح معها إعادة عامل لأنه يجعل بين
داخلة عَلَى المفرد ومن شأنها الدخول عَلَى متعدد وقد زاد عن هذا بأن جعل للأولى حجابًا من
جهتهم وللثانية من جهته وليس كَذَلكَ، فالأولى هي الثانية بعينها وهي عبارة عن الجهة المتوسطة
بين المضافين وتكرارها إن كان لأن المعطوف عليه مضمر مخفوض يوجب تكرار خافضة وجلست
بين زيد وبين عمرو فلا تفاوت بين قولك: جلست بين زيد وعمرو، وجلست بين زيد وبين عمرو
وإنَّمَا ذكرها أي أن من مع الظَّاهر جائز ومع المضمر واجب والصحيح أنها أي إن من هَاهُنَا مثل
(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) للإشعار بأن الجهة المتوسطة بين النَّبيّ صلى الله تَعَالَى
عليه وسلم وبينهم مبتدأ الحجاب. تم كلامه. فنقول هذا لا يراد وارد عَلَى كلام القاضي أَيْضًا لأنه
مقتبس من كلام الكَشَّاف مطابق له. وقال صاحب التقريب: وهي تقرير صاحب الكَشَّاف نظر لأن
البين إذا فسر بالوسط ومن للابتداء يكون الابتداء من الوسط لا من الطرف فلا يلزم استيعاب
الوسط ولعله لم يرد بالوسط حاق الوسط بل المسافة المتوسطة بَيْنَهُمَا فصح ما ذكره. إلَى هنا كلامه.
وفي هذه الآية مبالغات بثلاثة حجب أحدها الحجاب الخارج ثم حجاب الصمم ثم حجاب أكنة
القلوب نعوذ باللَّه من ذلك.