ويمكن أن يقال: إن الْمُصَنّف رَجَّحَ الأول لأن قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا ربنا الله)
متضمن الثبات عَلَى الإقرار؛ إذ الإقرار بدون الثبات كلا إقرار. وعن هذا حمل
الاستقامة عَلَى الاستقامة في العمل دون الثبات عَلَى الإقرار ثم جوز ذلك تصريحًا بما علم
التزامًا أو تضمنًا.
قوله:(وما روي عن الخلفاء الراشدين في معنى الاستقامة من الثبات على الإِيمان
وإخلاص العمل وأداء الفرائض فجزئياتها)وما روي الخ. جواب سؤال نشأ من عموم
الاستقامة عَلَى ما فهم من بيانه حيث ذكر العمل عَلَى إطلاقه وهو بظاهره يخالف ما روي
عن الخلفاء الراشدين في معنى الاستقامة من الثبات عَلَى الإيمان وهو مروي عن عمر
-رضي الله تَعَالَى عنه - وإخلاص العمل كما روي عن عثمان - رضي الله تَعَالَى عنه - وأداء
الفرائض منقول عن علي - رضي الله تَعَالَى عنه - فأجاب عنه بأنه جزئيات من الاستقامة لا
عينها. وفي الكَشَّاف وعن أبي بكر - رضي الله تَعَالَى عنه - استقاموا فعلًا كما استقاموا قولًا ولم
يتعرض له الْمُصَنّف لأنه روي عنه أقوال أخر كما أشير إليه في الكَشَّاف، [ويؤيده] أن ما روي
عنهم جزئيات ذكر كل منها عَلَى طريق التمثيل مخالفة قول كل منهم قول الآخر؛ إذ لا
يتوهم اخْتلَافهم في أصل معنى الاستقامة، فعلم أن الاستقامة مفهوم كلي يصدق عَلَى كل
واحد مما روي عنهم وعلى غيره من التوسط في الاعتقاد والأخلاق والْأَعْمَال الصالحات.
قوله: (فيما يَعِنُّ لهم بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن) فيما يَعِنُّ لهم
أي يظهر لهم من الأمور الدينية أو الدنيوية. قوله بما يشرح متعلق بقوله (تتنزل) . قوله عنهم
الخوف الخ. وهذا مَنْطُوق النظم وأما شرح صدورهم فبالالتزام تتنزل مطاوع نزل فالتنزل
النزول مهلًا. والْمَعْنَى تتنزل الْمَلَائكَة الموكلون بتدبير الأمور غبًا بعد غب عَلَى وفق ما
يعرض لهم حينًا بعد حين.
قوله: (أو عند الموت أو الخروج من القبر) عطف عَلَى قوله فيما يَعِنُّ الخ. فإنه حال
الحياة تتنزل الْمَلَائكَة من جهه تَعَالَى ويأمر بما يشرح بطَريق الإلهام أو عند الموت أو
الخروج من القبر فلفظة (أَوْ) لمنع الخلو. وقوله: (وأبشروا) الآية. يؤيد
الاحتمالين الأخيرين، والجمع لانقسام الآحاد إلَى الآحاد، ويجوز نزول جمع من الْمَلَائكَة
على كل واحد واحد من الموحدين المستقيمين تكريمًا لهم.
قوله: (ما تقدمون عليه) إذ الخوف عَلَى المتوقع وهو في المستقبل كما أن الحزن
على الواقع وهو في الْمَاضي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ما تقدمون عليه. بالتخيف من القدوم أي يقولون ألا تخافوا الآن ما تقدمون عليه
في الدار الْآخرَة ولا تخافوا عَلَى ما خلفتم في داركم الدُّنْيَا. والخوف غم يلحق لتوقع مكروه.