على الْإسْلَام وجه الاقتصار هُوَ أن الْإنْسَان فطر عَلَى استعداد قبول الحق قال المص في
قَوْلُه تَعَالَى: (أُولَئكَ الذين اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بالْهُدَى) أي الَّذينَ جعل الله لهم
بالفطرة التي فطر النَّاس عليها. وجه الترديد هنا هُوَ أن الْقُوَّة الشهوانية والغضبية والوهمية
لما كانت داعية إلَى الشر كان الْإنْسَان بواسطة تلك القوى مستعد لقبول الشر والضلال.
قوله: ( [وَلكِنْ] يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ) وهذا أبلغ من قوله:
(ويَهْدي من يشاء) إذ الإدخال في الرحمة يشعر استيعاب الرحمة إياه
استيعاب الظَّرْف الْمَظْرُوف (بالهداية والحمل عَلَى الطاعة) .
قوله: (أي ويدعهم بغير ولي ولا نصير في عذابه) متعلق بقوله ويدعهم لكن الأولى
في ضلاله؛ إذ هُوَ المقابل في لإدخال الرحمة.
قوله: (ولعل تغيير المقابلة للمُبَالَغَة في الوعيد؛ إذ الْكَلَام في الإنذار) ولعل تغيير
المقابلة، فإن الظَّاهر أن يقول ويدخل مَنْ يَشَاءُ في الضلال بعدم التوفيق والنصرة لكن عدل
عنه إلَى ما ذكر لإشعاره بأنهم ظالمون أنفسهم بصرف إرادتهم الجزئية إلَى الشر والضلال
فحرم عن رحمة الملك المتعال وأن ليس لهم خلاص من ذلك الضلال وما يترتب عليه من
العقاب والأغلال وضلالهم وعذابهم علوم من اقتضاء النص والتَّعْبير بالْجُمْلَة الاسمية
للدلالة عَلَى توغلهم في ذلك وامتناع النجاة فيما هنالك. قوله: إذ الْكَلَام في الإنذار بقرينة
ذكر عقيب قوله: (وتنذر يوم الجمع) الآية. والمُبَالَغَة في الإنذار أبلغ
ولذا لم يبالغ في الشق الأول مُبَالَغَة الشق الثاني ولم يسند صريحًا إضلالهم هنا كما في
مَوْضع آخر حيث قال (ولكن يضل مَنْ يَشَاءُ) لما مَرَّ من أن ضلالهم ودوام عذابهم من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولعل تغيير المقابلة للمُبَالَغَة في الوعيد. يعني كان ظَاهر النظم يقتضي أن يقال ويدخل
من يشاء في الضلال بدل قوله (والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير) ليقابل قوله(يدخل من
يشاء في رحمته)لكن عدل عن مقتضى الظَّاهر إلَى قَوْله: (والظالمون) الآية.
للمُبَالَغَة في الوعيد عَلَى رذيلة الظلم بأن الظالم ليس له ولي حميم ولا نصير ينقذه من بأس ذلك
اليوم يدل عَلَى أن التغيير لقصد المُبَالَغَة في الوعيد أن الْكَلَام في الإنذار فلكون المقام مقام
الاهتمام بشأن الإنذار كان مقتضي الحال أن يبالغ فيه. قوله جواب شرط مَحْذُوف. قال الطيبي: قضية
الإضراب عن الْكَلَام السابق تقتضي التعقيب فيدخل مدخول الفاء في حيز الإنكار كأنه قيل: بل
اتخذوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أولياء عقيب العلم بأن ليس الولي إلا الله بدليل تعريف الخبر بالجنس الحقيقي
وتوسيط ضمير الفصل المؤدي بالتَّخْصِيص وعطف وهو يحي الموتى عليه.