وعن علي - رضي الله تَعَالَى عنه - قيل وروي عن جابر - رضي الله تَعَالَى عنه - أن أعرابيًا دخل
مسجد رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبَّر
فلما فرغ من صلاته قال له علي - رضي الله تَعَالَى عنه - يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار
توبة الكذابين وتوبتك هذه تحتاج إلَى التَّوْبَة، فقال يا أمير الْمُؤْمنينَ وما التَّوْبَة؟ قال هي اسم
تقع عَلَى معانٍ الخ. كذا في الكَشَّاف ويحتمل أن يكون مراده التَّوْبَة مجموع هذه الأمور
فالْمُرَاد أكمل أفرادها لكن ما سبق حاو عَلَى هذه الستة لأن الندامة عَلَى المعاصي بأداء ما
فات من حقوق الله وحقوق العباد. قوله وإذابة النفس أي تصييرها مهزولة بعد ما قواه
بالمعاصي باستيفاء اللذات والشهوات الشهية، وهذا مندرج في العزم أن لا [يعود لها] وإذاقتها
فيه اسْتعَارَة مرارة الطاعة أي بالنسبة إلَى النفس الغير المرتاضة فإنها مجبولة عَلَى حب
المعاصي وإلا فالطاعة أحلى من كل حلو، وكذا الْكَلَام في حلاوة المعاصي وإلا فهي أمر
من كل مر. قوله كل ضحك ضحكته أي ضحكته المعاصي وإسناده إلَى المعاصي مجازي إن
قيل إن ضحك بمعنى أضحك لكنه خلاف الظَّاهر، والبكاء إما حَقيقَة أو التباكي وكذا الْمُرَاد
بالضحك أعم من الحقيقي والحكمي وهو التلذذ بالمعاصي أو السرور.
قوله: (صغيرها وكبيرها لمَنْ يَشَاءُ) ولو بلا توبة كما هُوَ مذهبنا مذهب أهل السنة
والْمُرَاد ما سوى الكفر لمَنْ يَشَاءُ لقَوْله تَعَالَى: (ويغفر ما دون ذلك) .
قوله: (فيجازي ويتجاوز) فيجازي أي بالثواب أو العقاب. قوله ويتجاوز بالعفو إما
تفريع عَلَى العلم أو كناية عنه. نقل عن شرح الكَشَّاف أن المجازاة للتائب والتجاوز بالعفو
وما ذكر أولًا هُوَ الظَّاهر ويؤيده عطف يعفو عَلَى قوله (يقبل التَّوْبَة) .
قوله: (عن إتقان وحكمة) ونسخة إتقان بالتاء الفوقية هُوَ الأصح هنا من نسخة عن
إيقان بالياء التحتية إفعال من اليقين كما صحح أي علم جازم لأن علمه تَعَالَى لا يوصف
بالإيقان لأنه علم بنفي الشك والشبهة عنه بالاستدلال كذا قاله الْمُصَنّف في أوائل سورة
البقرة، والْمُرَاد بإتقانه كونه عَلَى مقتضى الْحكْمَة فقوله وعن حكمة عطف تفسير له وهذا
القيد لم يذكر في غير هذا المَوْضع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الذنب وهو يتعلق بالمستقبل ويمكن أن يحمل قوله أن لا يعاود لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال
بالواجب عَلَى أنه لا [تصح] التوبة إذا رجع عن القبيح مجانًا أو خوفًا من النَّاس أو ضعفًا حصل في
بدنه فلا يكون توبة ولو قال تعظيمًا لله وحذرًا من سخطه لكان أولى؛ لأنه دخل في كلامه ما إذا
رجع عنه طالبًا للثناء والمدحة والرياء والسمعة.
قوله: صغيرها وكبيرها لمن يشاء. هذا تفسير للآية عَلَى قاعدة أهل السنة، وما في الكَشَّاف
تفسير لها عَلَى أصل أهل الاعتزال حيث قال: ويعفو عن السيئات عن الكبائر إذا تيب عنها. قال
الطيبي: إذًا لا فرق بين قوله يقبل التَّوْبَة وبين يعفو عن السيئات؛ لأن قبول التَّوْبَة ليس إلا للعفو عن
السيئات بل الْمَعْنَى من شأنه قبول التَّوْبَة عن عباده إذا تابوا، والعفو عن سيئاتهم بمحض رحمته أو
بشفاعة شافع. قال الإمام: إنه تارة يعفو ابتداء من غير توبة.