لما في سورة النحل من قوله من دابة بيان لهما لأن الدبيب هي الحركة الجسمانية سواء
كانت في السَّمَاء أو في الْأَرْض.
قوله:(أو مما يدب على الأرض وما يكون في أحد الشيئين يصدق أن فيهما في
الْجُمْلَة). وحاصله أنه من باب التَغْليب مثل قَوْلُه تَعَالَى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ)
وإنما يخرج من الملح أو الْمُرَاد أنه مجاز عقلي ويؤيده قول صاحب
الكَشَّاف كما يقال بنو تميم فيهم [شاعرٌ أو شجاع] وبطل، وإنما هُوَ فخذ من أفخاذهم أو فضيلة
من فضائلهم وبنو فلان فعلوا كذا، وإنَّمَا فعله نويس منهم انتهى. وما بث عطف عَلَى
السَّمَاوَات أي وخلق ما بث فيهما أو عطف عَلَى خلق. قيل فيكون استدلالًا بالإمكان بعد
الاستدلال بالحدوث انتهى. وجهه غير ظَاهر. علة الاحتياج إلَى العلة الحدوث أو الإمكان مع
الحدوث أو الإمكان وحده كما بين في المواقف وشرحه والآية السَّمَاوَات والْأَرْض
المخلوقة قال المص في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (إنَّ في خَلْق السَّمَاوَات) الآية.
من سورة البقرة أنها أمور ممكنة وجد كل منها بوجه مَخْصُوص إلَى آخره. فنبه عَلَى أن
الاستدلال بالأمور المخلوقة لا بخلقها فيكون من إضافة الصّفَة إلَى الْمَوْصُوف. وقيل فالْمُرَاد
أنها آية من حيث خلقها وهذا مع مخالفته لما صرح به المص مخالف للمحاورات حيث
قَالُوا في التقريرات العالم حادث لأنه أثر القديم.
قوله: (وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ أي في أي وقت يشاء) أي جمع النَّاس أي حشرهم بعد
البعث للحساب والْجَزَاء وإرجاع الضَّمير إلَى السَّمَاوَات والْأَرْض وما فيهما عَلَى التَغْليب لا وجه
له، وإنما المرجع النَّاس المعلوم من قوله: (وما بث فيهما) .
قوله: (متمكن منه وإذا كما تدخل عَلَى الْمَاضي تدخل عَلَى الْمُضَارِع) سواء كانت
ظرفية أو شرطية وإذا دخلت عَلَى الْمَاضي قلبته مستقبلًا كالْمَاضي بعد أن الشرطية لكنه
يختار المضي لدلالته عَلَى التحقق الْمُنَاسب فإذا ولئلا يلغو الاستقبال ولذا امتنع إذا يريد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
يكون للْمَلَائكَة عليهم السلام مشي مع الطيران فيوصفوا بالدبيب كما يوصف به الأناسي ولا يبعد
أن يخلق في السَّمَاوَات حيوانًا يمشي فيها مشي الأناسي عَلَى الْأَرْض سبحان الذي خلق ما نعلم
وما لا نعلم من أصناف الخلق إلَى هنا كلام الكَشَّاف. قَالَ صاحب الانتصاف إطلاق الدابة عَلَى
الأناسي بعيد من عرف اللغة فَكَيْفَ بالْمَلَائكَة. والأول أصح كما جاء في قَوْله تَعَالَى:(إنَّ في خَلْق
السَّمَاوَات والْأَرْض)إلَى قَوْله:(وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ
بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ)فدل هذا عَلَى اخْتصَاص الدواب بالْأَرْض. وقال
صاحب الانتصاف ذكر الزَّمَخْشَريّ في قوله بث قولين. أحدهما أنه مَعْطُوف عَلَى فأحيا أي فأحيا
وبث فيها من كل دابة لأن الماء سبب حياة الحيوان؛ إذ به ينبت العشب الذي به حياتهم، فعلى هذا
لا حجة لصاحب الانتصاف في الآية إذ الْمُرَاد ذكر الماء وما حصل فيه من النبات وحياة الحيوانات
والثاني أن يعطف عَلَى أنزل فيكون في بعض التمسك وإن كان تَخْصيص الشيء بالذكر لا يدل عَلَى
نفيه عَمَّا عداه.