فهرس الكتاب

الصفحة 9125 من 10841

قوله: (وهو لا يخالف وصفهم بالغفران، فإنه ينبئ عن عجز المغفور والانتصار عن

مقاومة الخصم، والحلم عن العاجز محمود وعن المتغلب مذموم لأنه إجراء وإغراء على

البغي، ثم عقب وصفهم بالانتصار للمنع عن التعدي. فقال: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ)

الآية) وهو لا يخالف وصفهم بالغفران جواب سؤال مقدر وتقريرهما واضح وحاصل

الْجَوَاب أنهما في محلين مختلفين فالعفو عن العاجز المعترف بإساءته وإن لم يستعف فهو

ممدوح حسبما وافق الشرع والانتقام من الخصم الألد فلا تناقض لاخْتلَاف المحل والمكان

فكل منهما عام خص منه البعض. وقيل والأوجه أن لا يحمل الْكَلَام عَلَى التَّخْصِيص بل

على التَّقْوَى أي يَفْعَلُونَ الْمَغْفرَة تارة والانتصار أخرى لا دائمًا ليتناقض فلا تناقض

لاخْتلَاف الزمان وهذا ضعيف؛ إذ الانتصار من الخصم المشاغب محمود دائمًا وتركه ليس

بمستحسن، والعفو عن العجزة ممدوح سرمدًا. قوله لأنه إجراء وإغراء عَلَى البغي شاهد عليه

وأما في العاجز فالعفو ليس بإغراء عَلَى البغي لعجزه، وإنَّمَا صدر ما صدر من البغي إما

اتفاقًا أو سهوا أو اتباعًا للغير لكن الأحسن ما أشرنا إليه آنفًا من أن العفو حسبما ساعده

الشرع ويؤيده التَّعْبير بـ (إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) والانتقام حيث يقتضيه الشرع الانتقام

ولا يساعد الشرع تركه سواء كان خصمًا قويًا أو ضعيفًا. قوله لأنه إجراء وإغراء الخ. لا يلائم

قَوْلُه تَعَالَى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة) إلَى قَوْله (كأنه ولي حميم)

فإن المُسْتَفَاد منه أن إحسان المسيء فضلًا عن العفو يدفع الخصومة ويورث

المودة ويرفع الفتنة سواء كان المسيء خصمًا قويًا قادرًا عَلَى المقاومة أو لا فالأحسن في

التوفيق بين النصوص أن يقال ما ذكرناه من أن العفو والانتقام حسبما ساعدهما الشرع ولو

بطريق الإباحة ممدوحان، وحيث لا يوافق الشرع بوجه ما مذمومان. قوله ثم عقب وصفهم

الخ. إشَارَة إلَى ارتباطه بما قبله.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *

قوله: وهو لا يخالف وصفهم بالغفران الخ. يعني أن ظَاهر قوله:(إذا أصابهم البغي هم

ينتصرون)يدل عَلَى أنهم وقت إصابة البغي من العدو وهو وقت الغضب ينتقمون ولا

يغفرون وقوله: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) دال عَلَى أنهم وقت الغضب يغفرون

ولا ينتقمون، وهذا يوهم بحسب الظَّاهر أن يوصفوا في وقت واحد بوصفين متنافيين. وحاصل ما ذكره

من التلفيق أن غفرانهم وعفوهم إنما هُوَ للخصم العاجز دون المقاوم وانتقامهم وعدم مغفرتهم للمقاوم

لا للعاجز فاختلفت جهتا الغفران وعدم الغفران فلا تنافي بَيْنَهُمَا. ومثله(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى

الْكَافِرِينَ)فهو من باب التكميل. وفي الكَشَّاف: هُوَ أن يقتصروا في الانتصار عَلَى ما

جعله الله لهم ولا يعتدوا. قال الطيبي: يعني دل التركيب عَلَى مزيد الاخْتصَاص بالانتصار وذلك لمجيء

الضَّمير وإيقاعه مبتدأ وإسناد ينتصرون إليه ومثله (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) وعليه قول الشاعر:

جلوسٌ في مجالسهم رزانٌ ... وإن ضيفٌ ألمَّ فهم [وقوفُ]

ويبعد أن يجعل من باب تقوي الحكم لأنه إذا قيل هم يغفرون ألبتة فُهِم أنهم لا يتجاوزون

إلى الانتصار وإذا قيل هم ينتصرون قطعًا فُهِم أنهم لا يغفرون ألبتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت