وصف الكل بالكبر للقرينة الْمَذْكُورة فلا محذور أصلًا. ولو قيل إن الْمَعْنَى أن كل واحدة
واحدة منها أكبر من مثلها بحسب الواقع، والْمُرَاد منه وصف الكل بالكبر كناية لم يبعد. قوله
طويل النجاد صحيح مع أنه لا نجاد أصلًا في الواقع فلا يكون كاذبًا وهذا مستعمل في
المحاورات حيث يقال كل واحد من زيد وعمرو فائق عَلَى الآخر، والْمُرَاد بيان كمالهما وإن
كمالهما متساوٍ ولا ينافيه قَوْلُه تَعَالَى (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى) أي العصا أو
اليد البيضاء فإن الْمُرَاد هناك الْحَقيقَة وهنا الكناية فلا محذور.
قوله: (والْمُرَاد وصف الكل بالكبر كقولك: رأيت رجالًا بعضهم أفضل من بعض) أي
كلهم زيادة في الفضل والْكَمَال كناية كما أوضحناه لكن في هذا الْقَوْل يمكن إرادة حقيقته. قال
الله تَعَالَى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) بأن يراد بالبعض أشخاص
غير البعض الآخر ولا يمكن هذا في النظم الجليل قد عرفت أن الْمُرَاد بالأخت المِثْل مَجَازًا في
أصل الدلالة عَلَى النبوة وإن كانت متفاوتة في الْقُوَّة والضعف بالنسبة أو في التقدم والتأخّر.
قوله:(وكقوله:
مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تَقُلْ لاَقَيْتُ سَيِّدَهُم ... مِثْلُ النُّجُومِ الَّتي يَسْرِي بِهَا السَّارِي)
من بيت الحماسة. من تلق منهم نقل جواب من لاقيت سيدهم أفاد الشاعر أن كلا
منهم سيدهم فلزم كون الشخص الواحد سيدًا متبوعًا وحقيرًا تابعًا ويلزم أَيْضًا سيادته عَلَى
نفسه والْجَوَاب وصف الكل بالسيادة كناية للقرينة، والْمُرَاد بإيراد البيت بعد قوله كقولك:
رأيت رجالًا الخ. الاستشهاد عَلَى ما حمل عليه النظم الكريم.
قوله: (أو إلا وهي مختصة بنوع من الإعجاز مفضلة عَلَى غيرها بذلك الاعتبار)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
منها في حالة واحدة، فإن ظَاهر الآية بعد أن كل واحدة من الآيات أكبر من كل واحدة منها فنسبة
قوله: (أكبر من أختها) إلَى نفس الأمر توجب التناقض. قوله: والْمُرَاد وصف الكل بالكبر أي وصف
الكل بالكبر عَلَى وجه المُبَالَغَة وإلا بالجميع سواء في الكبر.
قوله: كقولك: رأيت رجالًا بعضهم أفضل من بعض. فإنه يفيد أن كلهم فاضلون لكن بعضهم
أزيد في الفضل من بعض وتشبيه ما في الآية به في مجرد إفادته وصف الكل بالفضل لا في إيهام
التناقض لأن النكرة في الآية واقعة في حيز النفي عَلَى طريق القصر فينشأ منه إيهام [التناقض] ولا
كَذَلكَ قولك: رأيت رجالًا بعضهم أفضل من بعض؛ لأنه إثبات لا نفي ولا فيه أداة قصر. قال صاحب
الانتصاف: الظَّاهر أن الذي يسوغ هذا الإطلاق أن كل آية أفردت استغرقت عظمتها الفكر وبهرته
حتى يجزم أنها هي النهاية وأن كل آية دونها، فإذا نقل الفكر إلَى الأدنى كانت كَذَلكَ. وحاصله أن لا
يقدر الكفر أن يجمع بين آيتين لتميز الفاضلة من المفصولة. وقال صاحب الفرائد: نحوه قَوْلُه تَعَالَى:
(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) فإن الناظر [إذا] نظر إلَى آية ظهرت بعد
أخرى يقول هي أكبر من أختها، لكون كل واحدة في غاية من الْكَمَال والقدرة.
قوله: أو إلا وهي مختصة بنوع من الإعجاز. هذا التأويل بالنظر إلَى الأكبرية في نفس الأمر
ويرتفع التناقض بصرف الاخْتلَاف إلَى الاخْتلَاف في الجهة.