قوله: (لأن من عادتنا إرسال الرسل بالكتب إلَى العباد لأجل الرحمة عليهم) لأن من
عادتنا منفهم من كان لأنه يدل عَلَى الاسْتمْرَار كما أن عادتنا الإنذار بإنزال الكتب وإرسال
الرسل. قوله بالكتب ظاهره أنه مختص بالرسل الَّذينَ لهم كتاب رباني مع أن الْكَلَام عام كأنه
راعى ما مرَّ من قوله: (إنا أنزلناه) لكن العموم لازم، إلا أن يقال إن من لم
ينزل عليه الكتب مأمور بعمل الْكتَاب الذي أنزل قبله.
قوله: (ووضع الرب مَوْضع الضَّمير للإشعار بأن الربوبية اقتضت ذلك) ووضع الاسم
الظَّاهر مَوْضع الضَّمير واخْتيرَ الرب من بين الأسامي لما ذكره وهذا مراده.
قوله: (فإنه أعظم أنواع التَّرْبيَة) إذ التَّرْبيَة تبليغ الشيء إلَى كماله شَيْئًا فشَيْئًا والْكَمَال
الديني أعظم من الْكَمَال الحسي فتلك التَّرْبيَة تكون أعظم أنواع التَّرْبيَة.
قوله: ( [أو علة] لـ يُفْرَقُ أو أَمْرًا، ورَحْمَةً مَفْعُول به) أو علة عطف عَلَى بدل فيكون التقدير
لأنا كنا مرسلين، لكن معنى الإرسال ليس ما ذكر من إرسال الرسل لأنه لا يصح أن يكون
عليه يُفْرَقُ بل معنى إرسال الرحمة وعن هذا قال أولًا ورحمة مَفْعُول به ثم قال لأن من
شأننا أن نرسل رحمتنا ثانيًا. قوله أو أمرًا عطف عَلَى يُفْرَقُ أي أو علة لأمرًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
لوجوب ملابسة بين البدل والمبدل منه في بدل الاشتمال ومقتضى الْإنْزَال في المبدل منه من عادة
الله الإنذار، وفي البدل أن من عادته تَعَالَى الإرسال ولملابسة بين الإنذار والإرسال صح جعل ما
تضمن أحد هذين الملابسين بدلًا كما تضمن الآخر فهو بحسب الذات بدل الكل وبحسب وصفي
الإنذار والإرسال بدل الاشتمال. قوله لأجل الرحمة عليهم بيان أن رحمة مَفْعُول له للإرسال
المدلول عليه بقوله مرسلين. قوله ووضع الرب مَوْضع الضَّمير للإِشعار بأن الربوبية اقتضت ذلك
يعني كان مقتضى الظَّاهر أن يقال رحمة هنا لأن المقام مقام الضَّمير لكن وضع الاسم الظَّاهر وهو
لفظ الرب مقام الضَّمير للإشعار بأن الربوبية اقتضت ذلك. أي اقتضت إرسال الرسل وإنزال الكتب
فإنه أعظم أنواع التَّرْبيَة لكونه موصلًا إلَى الفوز بالسعادات.
قوله: أو علة لـ يُفْرَقُ. عطف عَلَى بدل أي أو قوله: (إنا كنا مرسلين) علة
لـ يُفْرَقُ أو علة لـ أمرًا فتكون رحمة مَفْعُولًا به لمرسلين معنى العلية مُسْتَفَاد من وقوع جملة(إنا
كنا مرسلين)اسْتئْنَافًا كأنَّ سائلًا قال: ما علة فرق كل أمر حكيم، أو ما علة
الأوامر الْإلَهيَّة. فأجيب بـ إنا كنا مرسلين رحمة. أي علة ذلك أن من شأننا إرسال الرحمة إلَى
عبادنا وتلك الرحمة تكون [بتفصيل] كل أمر حكيم أو [بأمور إلهية] موصولة إليها. قال أبو البقاء:
رحمة مَفْعُول مرسلين ويراد بها النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -. قال الطيبي: فإن قلت: هل لاخْتصَاص كون رحمة
مَفْعُولًا له في الأول ومَفْعُولًا به في الثاني من فَائدَة؟ قلت أجل لأن المبدل منه مطلق فالْمُنَاسب
أن يكون البدل كَذَلكَ، وأما التعليل فإنه إما أن يكون لـ يفرق ولا شك أن فرق كل أمر حكيم
محتاج إلَى أن يعلل بعلة أولًا فهو أولى منه؛ إذ التقدير [حِينَئِذٍ] أعني بهذا الأمر أمرًا كائنًا من لدنا
ويليق بجلالنا وكبريائنا ولا يحسن أن يكون أمرًا عَلَى هذا مَفْعُولًا منصوبًا عَلَى الاخْتصَاص
محللًا بقوله: (إنا كنا مرسلين) ليستقل بالتعليل.