التعليلية من فروع معنى الابتداء، ولذا أخَّره مع عدم الاحتياج حِينَئِذٍ إلَى التقدير وهو
ظرف مُسْتَقرّ صفة درجات عَلَى الأول والثاني أَيْضًا فمن قال إنه متعلق عَلَى الثاني بكل
أراد التعلق المعنوي.
قوله: (أو الدرجات غالبة في المثوبة وهَاهُنَا جاءت عَلَى التَغْليب) أي تَغْليب
الدرجات عَلَى الدركات، ولما كان الدرجات غالبة في المثوبة غير مختصة بها يمكن أن
يناقش في كونه من باب التَغْليب.
قوله: (جزاءها) بتقدير الْمُضَاف كما مَرَّ غير مرة أو الْمُرَاد بالْأَعْمَال جزاؤها مَجَازًا
بعلاقة السببية واللام متعلق بمَحْذُوف إما مقدم أي فعله ليجازيهم وليوفيهم فهو مَعْطُوف
على مَحْذُوف أو مؤخر كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم فعل ما فعل من تقدير الأجزية عَلَى
حسب أعمالهم. والأول أولى؛ إذ العطف لا يظهر عَلَى الوجه الثاني، وَأَيْضًا الأول يشعر كثرة
التعلل وهو أبلغ (وقرأ نافع وابن ذكوان وحمزة والكسائي وابن عامر بالنون) .
قوله: (وهم لا يظلمون بنقص ثواب وزيادة عقاب) وهم لا يظلمون حال مؤكدة اخْتيرَ
الْجُمْلَة الاسمية لتفيد الدوام والثبات أو جملة مُسْتَأْنَفَة أو تذييلية مقررة لمفهوم ما قبلها. والْمَعْنَى
وهم لا يعاملهم معاملة الظلم وقد نبه عليه الْمُصَنّف فيما مَرَّ تقديم المسند إليه عَلَى الخبر
الفعلي للاهتمام والتقوية ولا يناسب القصر وهو لعموم السلب لا لسلب العموم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: الدرجات غالبة في [المثوبة. أي] لفظ الدرجة في الاسْتعْمَال غالب في المثوبة فإنها
منبئة عن الترقي في مراقي المراتب العالية الأعلى فالأعلى والمستعمل في العقوبات لفظ الدركات
وهَاهُنَا قد استعمل في حق الفريقين لفظ الدرجات مع أن أحد الفريقين أهل الدركات لا أهل
الدرجات فيلزم أن يصار إلَى معنى التغليب، والظَّاهر أن الفريقين ما دل عليه قوله عز وجل:(إن
الَّذينَ قَالُوا ربنا الله ثم استقاموا)والآخر قوله:(وَالَّذِي قَالَ [لِوَالِدَيْهِ] أُفٍّ لَكُمَا
أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ) وأما تقدير التَغْليب فهو أنه تَعَالَى لما ذكر الفريق الأول
ووصفهم بثبات في الْقَوْل واستقامة في الْفعْل ورتب عليه جزاءهم وأوقع قوله:(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ
بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)استطرادًا في البين وعقب ذلك بذكر فريق الْكَافرينَ ووصفهم
بعقوق الوالدين وبإنكارهمْ البعث وجعل العقوق أصلًا في الاعتبار وكرر في القسم الأول الْجَزَاء
وهو الجنة وذكرها مرارًا ثلاثًا وأفرد جزاء الإنكار وهو ذكر النَّار وأخَّره بعد ذكر ما يجمعهما من
قوله: (ولكل درجات) غلب الدرجات عَلَى الدركات لذلك، وفيه أن لا شيء أفحش من عقوق الوالدين
وإنكار الحشر وفي إيقاع إنكار الحشر مقابلًا لإثبات التوحيد الدلالة عَلَى أن المنكر معطل مبطل
لحكمة الله تَعَالَى في إيجاد العالم، وهذا الترتيب الأنيق والنظم الرصين يوقفك عَلَى ضعف قول من
قال إن الآية نزلت في عبد الرحمن. روى محيي السنة عن الزجاج أنه قال: قول من قال إنها نزلت
في عبد الرحمن قبيل إسلامه يبطله قوله: (أُولَئكَ الَّذينَ حق عليهم الْقَوْل) الآية.
لأنه تَعَالَى أعلم أن هَؤُلَاء قد حقت عليهم كلمة العذاب وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل الْمُسْلمينَ
فلا يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب.