قوله: (والأول أظهر وأوفق لقوله:(هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِئْيًا) كانُوا أَكْثَرَ
مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا) والأول أظهر أي كون أن للنفي أظهر أما لفظًا فلسلامته عن الزّيَادَة
والحذف، وأما معنى فلكونه أوفق لقوله: (هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا) وقوله: وكانوا
أكثر منهم وأشد قوة وآثارًا في الْأَرْض، وقَوْلُه تَعَالَى:( [كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ]
مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) كالصريح في ذلك.
قوله: (ليعرفوا تلك النعم ويستدلوا بها على مانحها تعالى ويواظبوا على شكرها) فإن ما
ذكر آلة المعرفة لأن السمع والبصر من القوى المدركة بالجزئيات والأفئدة أي الْقُلُوب
مدركة بالكليات ولذا قدمها عليها إن إدراك الجزئيات وسيلة إلَى إدراك الكليات ووحدة
السمع لأن مدركة متحد ومدرك ما عداه متعدد ولذا جمع، وقدم السمع عَلَى البصر لأن نفعه
أوفر فعلم منه أن قوله ليعرفوا بيان للجميع. وقيل بيان للأخير فقط والسمع ليسمعوا النذر
والبصر ليبصروا الآيات الأنفسية والآفاقية فيتعظوا، ولا يخفى ضعفه.
قوله: (فما أغنى) الفاء للسببية بناء عَلَى صنعهم وفيه توبيخ عظيم حيث كان ذلك
الجعل سببًا لعدم الإغناء مع أنه سبب للإغناء التام.
قوله: (من الإغناء وهو القليل) فضلًا عن الكثير أما السمع فلعدم اسْتعْمَاله في
استماع الحق وقبوله، وأما البصر فلعدم النظر إلَى الآيات الدَّالَّة عَلَى التوحيد، وأما القلب
فلعدم التفكر في المصنوعات المحتوية أنواع النعم وأصناف الغرائب الدَّالَّة عَلَى الوحدة
وكمال القدرة ولذا علله بقوله: (إذ كانوا) الخ.
قوله: (صلة [فَما] أَغْنى وهو ظرف جرى مجرى التعليل) وفي الكَشَّاف لاستواء مؤدى
التعليل والظَّرْف في قولك: ضربته لإساءته وضربته إذا أساء؛ لأنك إذا ضربته في وقت إساءته،
فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، إلا أن إذ، وحيث، غلبتا دون سائر الظروف في ذلك انتهى.
والمص أَشَارَ إلَى هذا التَّفْصيل بقوله وهو ظرف الخ. وبقوله وكَذَلكَ حيث ولذا صرح النحاة
أن إذ وحيث قد يجيئان للتعليل، فالأولى أن يحمل إذ عَلَى التعليل هنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والأول أظهر وأوفق لقوله: (هم أحسن أثاثًا) أي الوجه الأول وهو أن
إن نافية أظهر وأولى لأن معنى الوجه الثاني يؤدي إلَى أن يقال مكناهم في مثل ما مكناكم فيه فيلزم
تفضيل هَؤُلَاء عَلَى أُولَئكَ لأن المشبه به أقوى في وجه الشبه غالبًا وعلى الأول معناه ولقد مكناهم
في الذي ما مكناكم فيه والذي سيق له الْكَلَام أن كفار مكة دون أُولَئكَ الْكُفَّار في التمكين في
الْأَرْض كقَوْله تَعَالَى( [أَلَمْ] يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ
لَكُمْ) والْمَعْنَى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادًا وثمودًا وغيرهم من البسطة في
الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدُّنْيَا.
قوله: صلة [فَما] أَغْنى. أي متصل به عَلَى أنه مَفْعُول فيه. والْمَعْنَى ما أغنى عنهم جوارحهم هذه
وقت كونهم جاحدين بآيات الله فلفظ إذ ظرف جار مجرى التعليل من حيث إن حكم نفي الإغناء
مرتب عَلَى ما أضيف إليه إذ وهو كونهم جاحدين بالآيات.