لازمًا له لأن ما ذكر ليس من قبيل المملوك بل من قبيل الممنوع قدر المشيئة تنبيهًا عَلَى
حذف الْمُضَاف لقوله: (إن أراد بكم) الخ. ونبَّه به عَلَى أن الإرادة والمشيئة
بمعنى واحد عند أهل الحق. وذكر قضائه إذ المشيئة [تستلزمه] وكلمة الشك في الموضعين
بالنظر إلَى ما في نفس الأمر لا بالنسبة إلَى المتكلم، واللام في (لكم) أجلية أي لأجلكم
ونفعكم. وقيل للبيان.
قوله:(ما يضركم كقتل أو هزيمة أو خلل في المال والأهل عقوبة على التخلف، وقرأ
حمزة والكسائي بالضم. أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا ما يضاد ذلك)ما يضركم أشار به إلَى أن الْمُرَاد بالضر الحاصل
بالمصدر أو بمعنى الضار والتنكير إما للتعظيم أو للتحقير. والْمَعْنَى لا يمنع أحد ما يضركم
إن أراد الله به حتى تتعللوا بحفظ أهل وأموال في التخلف، ولا يمنع أي لا يقدر أحد منع ما
ينفعكم ما يضاد من الأمن من القتل [والهزيمة] وسلامة في المال والأهل فما الباعث إلَى
التخلف لأجل حفظهما؟ فلا بد من هذين القيدين حتى يظهر ارتباطه بما قبله، والتعرض لقتل
وهزيمة لتكثير الفَائدَة، وتقديم الضر للتنبيه عَلَى كثرة وقوعه في شأنهم لسوء صنيعهم، ولا
حاجة إلَى تأويل يملك المقدر في (إن أراد بكم نفعًا) يحرم كما ذهب صاحب الانتصاف إليه
لأن معنى المنع منتظم له أَيْضًا.
قوله: (وهو تعريض بالرد) أي يرد تعللهم. وجه الرد بملاحظة القيدين في الموضعين
كما أوضحناه آنفًا، وإنَّمَا قال تعريض لعدم التصريح به، وإنما فهم من عرض الْكَلَام وهو
الْمُرَاد بالتعريض هنا.
قوله: (فيعلم تخلفكم وقصدكم فيه) أي الْمُرَاد بهذه الْجُمْلَة إفادة علمه تخلفكم
الخ. وهو الْمُرَاد من الْكَلَام عن الْجَزَاء عليه فهو وعيد لهم بعد الإشَارَة إليه. كلمة (بل)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو تعريض بالرد أي قوله: (يقولون بألسنتهم ما ليس في قُلُوبهمْ)
إلَى قَوْله: ( [أَوْ أَرَادَ] بِكُمْ نَفْعًا) تعريض للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد اعتذارهم بقولهم(شغلتنا
أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا)لأن اعتذارهم ذلك وطلبهم الاستغفار ليس عن حَقيقَة وصميم قلوبهم
وإنَّمَا هُوَ اعتذار لساني وتفوه خال عن مواطأة القلب، ولما لم يكُونُوا مثل أُولَئكَ الَّذينَ قال الله فيهم
(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) نبه الله
رسوله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (بألسنتهم ما ليس في قُلُوبهمْ) ثم [أمره] بأن يجيب بأجوبة ثلاثة
على الترقي، يقول أولًا عَلَى سبيل الْكَلَام المنصف تعريضا بغيرهم من المحقين والمبطلين(فَمَنْ
يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا)يعني ليس يملك الضر والنفع إلا هُوَ
فلا أهلوكم ولا أموالكم ولا [القعود] في بيوتكم ينفعكم إن أراد بكم ضرًا كما في أحد ولا
الشخوص إلَى الغزو ومقاتلة الأعداء يضركم إن أراد بكم نفعًا من الظفر والغنيمة كما في بدر، ثم
أضرب عن هذا الْجَوَاب إلَى قَوْله: (بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) وفيه نوع تهديد
ولكن عَلَى الإبهام، ثم ترقى وصرح بمكنون ضمائرهم والكشف عن فضائحهم في قوله:(بَلْ
ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ [وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ] ).