(منصوب أو مرفوع) تفصيل لكونه مدحًا. أما كونه منصوبًا فظاهر، وأما كونه مرفوعًا بتقدير
مبتدأ فلما قال ابن مالك التزم حذف الْفعْل في المنصوب عَلَى المدح إشعارًا بأنه إنشاء كما
في المنادى وحذف المرفوع المبتدأ في المرفوع إجراء للوَجْهَيْن عَلَى سنن واحد انتهى. فحِينَئِذٍ
يكون الْمُنَاسب في تقدير الْفعْل ماضيًا أي مدحت الَّذينَ وكذا في سائر موادة، فإن الإنشاء قد
يعبر بالْمَاضي حتى قال الشيخ الرضي تقدير الْمَاضي في المنادى لكونه إنشاء أولى ولم يلتفت
إلى كونه بدلًا من الموصول الأول كما قيل أو مَفْعُوله يتقون كما رجحه أبو حيان لما
عرفت من أنه عَلَى حياله نعمة جسيمة يجب الشكر عليه بالعبادات وأنواع القربات.
قوله: (أو مبتدأ خبره فلا تجعلوا) عَلَى تأويل مقول فيه لا تجعلوا كما سيأتي
ولهذا أخَّره، وأما كون خبره رزقًا بتقدير يرزقكم فهو تكلف فدخول الفاء في خبره لكون
الفاء قد تدخل في حيز الموصول بالْمَاضي كقَوْله تَعَالَى:(إنَّ الَّذينَ فَتَنُوا الْمُؤْمنينَ
وَالْمُؤْمنَات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ)الآية. وأن الاسم الظاهر
وهو للَّه من وضع المظهر مَوْضع المضمر وتمام البحث في قَوْله تَعَالَى:(فلا تجعلوا
لله أندادا)الآية. والإيراد هنا في غاية من البعد.
قوله: (وجعل من الأفعال العامة) كفعل وحصل فإن الجعل يتحقق في ضمن جميع
الأفعال الخاصة (يجيء عَلَى ثلاثة أوجه) ولها وجوه أخر مندرجة في الوجه الثالث كما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
وهو يقتضي موجدًا لا محالة فإن تعددوا ولم يتساووا سقط المرجوح وإن تساووا موجبين تواردوا
على شخص واحد وهو يستلزم الافتقار إلَى كل والاستغناء عنه بغيره أو مختارين ووقع الاخْتلَاف لم
يوجد شيء والواقع خلافه، وإن اتفقوا اضطرارًا لزم العجز أو اختيارًا فالْكَلَام فيه كالْكَلَام في الأول
والمآل قطع العقل الاعتبار المجوز لمثل هذا التسلسل، وفرض في إيجاد نفس الْفعْل يبطله لعدم
المجوز حِينَئِذٍ فتعين أن يكون واحدًا وتثبت الوحدانية، وأما ثانيًا فلأن المرفوع عَلَى المدح في
المُتَعَارَف يكون خبرًا عن الْمَحْذُوف كما أن المنصوب عَلَى المدح يكون مَفْعُولًا لعامل مَحْذُوف، وأما
ثالثًا فلخلو الخبر عن ضمير المبتدأ. الْجَوَاب أنه استغنى بالارتباط بنفسه عن ربط الضَّمير فإن لفظة الله
موضوعة مَوْضع الضَّمير دلالة عَلَى أن الْفَاعل لتلك الأفاعيل العجيبة يكون لا محالة إلهًا معبودًا. قال
الفاضل أكمل الدين، وأما ما ذهب إليه البيضاوي من جعل الذي مبتدأ ملتزمًا الوجه الضعيف بالاتفاق
مع مخالفة كلام صاحب الكَشَّاف فليس بشيء. هذا وأقول لعل وجه ضعفه بعض ما ذكرناه آنفًا ولعل
منشأ ارْتكَابه لذلك الوجه الضعيف أنه رحمه الله أخذ أكثر ما تفسيره هذا من كلام الكَشَّاف، وأني أظن
أنه رحمه الله أخذ من قوله، وأما أن يكون رفعًا عَلَى الابتداء أن الذي يرفع عَلَى أنه مبتدأ لأنه هو
الْمُتَبَادَر من لفظ الابتداء، وغفل عن أن مراده منه أن يكون رفعًا عَلَى أنه خبر مبتدأ مَحْذُوف [فبنى] ما
ذكره عَلَى ما فهمه من عبارته.