قوله: لَوْ يُطِيعُكُمْ) الآية) نبه به عَلَى أنه لو لم يقيد بالحال لا يكون للخبر فَائدَة تامة لكونه
معلومًا لهم وأما القَوْل بأن فائدته الدلالة عَلَى أنهم نزلوا منزلة الجاهلين لمكانه لتفريطهم
فيما يجب من تعظيم شأنه فواهٍ جدًا لأن الخطاب للصحابة ولا يناسب مثل هذا الْقَوْل في
شأنهم مع أنه يمكن التوجيه بغير هذا الوجه السخيف وهو ما اختاره الشيخان.
قوله: (فإنه حال من أحد ضميري فيكم) الضَّمير المجرور وهو ضمير الْمُؤْمنينَ
المخاطبين والآخر الضَّمير المرفوع المستتر في الظَّرْف وهو الضَّمير الراجع إلَى الرَّسُول
عَلَيْهِ السَّلَامُ فلو [حِينَئِذٍ] لا يطالب الْجَوَاب، وفي بعض [المواد دخولها] عَلَى الْمُضَارِع لقصد
اسْتمْرَار الْفعْل فيما مضى وقتا فوقتا، وقيد بكثير لأن الإطاعة في بعض الأمور الدنيوية لا
تكون كَذَلكَ كما دل قوله عليه السَّلام"أنتم أعلم بأمر ديناكم، فإذا أمرتكم بشيء من دينكم"
فخذوا به"فعلم منه أن الْمُرَاد بأمر أمر الدين لأنه كثير بالنسبة إلَى أمر الدُّنْيَا كمًّا أو كيفًا."
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فإنه حال من أحد ضميري فيكم. أي حال من أحد الضَّميرين في فيكم المستتر المرفوع
والبارز المجرور. والْمَعْنَى عَلَى الأول أن فيكم رسول الله عَلَى حالة يجب عليكم تغيير تلك الحالة.
وعلى الثاني أنتم عَلَى حالة يحب عليكم تغييرها، وتلك الحالة في أنكم تحاولون منه أن يعمل في
الحوادث عَلَى مقتضى رأيكم ويتبعه فعل التابع المطيع لغيره، ولو فعل ذلك لعنتم. قال الزَّمَخْشَريّ
رحمه الله: الْجُمْلَة المصدرة بـ لولا تكون كلامًا مستأنفًا لأدائه إلَى تنافر النظم ولكن متصلًا بما قبله
حالًا من أحد الضَّميرين في فيكم. وقال أبو البقاء: لو يطيعكم مستأنف ويجوز أن يكون حالًا
والعامل فيه الاستقرار وإنما جاز ذلك من حيث جاز أن يقع صفة للنكرة [كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ] لَوْ
كَلَّمْتُهُ لَكَلَّمَنِي. قيل في وجه عدم حسن الاسْتئْنَاف أن قوله (واعلموا أن فيكم رسول الله) لو جعل
مورد السؤال [استحبها] لا لهم بما كان يصدر منهم من الفلتات التي لا تليق بحضرة الرسالة فنزلو
لذلك منزلة من لا يعلم أن فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقولوا ما نالنا رسول الله مُسْتَقرّ فينا لم يقع قوله(لَوْ
يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ)موقعه من الْجَوَاب ولكن إذا جعل
حالًا بمعنى أن فيكم مَن حاله أنه أرسله الله تعالى وخصه بمنصب الرسالة ولا يقطع أمرًا إلا
بالوحي النازل فيجب عليكم أن لا تحاولوا أن يعمل في الحوادث عَلَى مقتضى ما يعن لكم من
رأيٍ واستصواب جاء الحسن، ويمكن أن يوجه طريق الاستئناف بأنه تَعَالَى لما أرشدهم طريق
الثواب بقوله (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) أي استعملوا الثاني فيما سنح لكم
من الأمور وكشف الأحوال فلا ترجعوا إلَى كلام بعض الفساق فتتورطوا فيما تندمون منه نبههم
أَيْضًا أن فيهم رسول الله الناطق بالسُّنة العادلة والْحكْمَة الساطعة لا يرجع إلَى رأي كل زائغ ولا
يعمل بهوى كل مبطل فاقتدوا به في ذلك، فاتجه لهم أن يسألوا ويقولوا لم كان ذلك؟ فقيل لو يطيع
بعضًا منكم فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ [لَعَنِتُّمْ] ، ثم قال للبعض الآخر ولكن الله حبب إليكم الإيمان ويؤيده ما
قال الواحدي (أن تصيبوا) أي لئلا تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا عَلَى ما فعلتم نادمين، ثم وعظهم
فقال: (واعلموا أن فيكم رسول الله) أي اتقوا أن تكذبوه وتقولوا باطلًا فإنَّ اللَّهَ يخبره به فتفتفحوا ثم
قال (لو يطيعكم في كثير من الأمر) مما تخبرونه فيه بالباطل لوقعتم في الإثم والهلاك، ثم خاطب
الْمُؤْمنينَ الَّذينَ لا يكذبون فقال: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان) .