حبب (أوْ) لمنع الخلو. قوله فإن الفضل فعل اللَّه تَعَالَى والرشد فعل العبد فلم يوجد شرط
نصب الْمَفْعُول له.
قوله: (والرشد وإن كان مسببًا عن فعله مسند إلَى ضميرهم) إشَارَة إلَى رد صاحب
الكَشَّاف حيث قال: الرشد مسبب عن التحبيب والتكريه وهو فعل الله تَعَالَى، فرده بأنه مسند
إلى ضميرهم هنا فلا يوجد الشرط الْمَذْكُور فكونه عبارة عَمَّا ذكر لا يفيد هنا وما ذكره
الزَّمَخْشَريّ تكلف فإنه جعل فضلًا مَفْعُولا له عن الْفعْل المسند إليه تَعَالَى حيث قال: لما
وقع الرشد عبارة عن التحبيب والتكريه مسندة إلَى اسمه تَعَالَى صار الرشد كأنه فعله فجاز
أن ينتصب عنه ولا ينتصب عن الراشدون والْمُصَنّف لم يلتفت إلَى ما ذكر من أنه بعد
التأويل لا يكون مبتدأ إلَى ضميرهم بل إلَى الله؛ لأنه تغيير النظم بلا داع، [إذ] فعل الله تَعَالَى
وهو التحبيب مذكور صريحًا فهو علة له. قيل وليس ما ذكره المص والزَّمَخْشَريّ هنا في
شيء من الاعتزال كما توهم لأن الرشد فعل الله تَعَالَى عند أهل الحق لا مسببًا عنه؛ لأن
الْكَلَام فيما يقال له فعل وفاعل عند أهل اللغة لا عند أهل الْكَلَام انتهى. وهذا بعيد لأن
الْكَلَام في مثل هذا الْفعْل والْفَاعل عند أهل الْكَلَام، أَلَا [تَرَى] أن الْفعْل في قوله فإن الفضل
فعل الله تَعَالَى الْفعْل عند أهل الْكَلَام وكذا باقيه، فالصواب أن يقال: إن مراده بالْفعْل
الإيقاع والإحداث، والرشد وهو إصابة الحق بإحداث الله تَعَالَى وبكسب العبد معًا لكن إذا
أسند إلَى الله تَعَالَى وجعل فاعلًا لغويًا يكون الإسناد مَجَازًا وإلى المخلوق حَقيقَة. فمعنى
قوله: والرشد وإن كان مسببًا عن فعله المختص به تَعَالَى بلا مدخلية كسب العبد لأنه بتوفيق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
والفضل فعل الله تَعَالَى والرشد فعلهم وإن كان مسببًا عن فعل الله وهو تحبيب اللَّه إليهم الإيمان
وتكريهه الكفر، فإنَّ اللَّهَ تَعَالَى جعل الإيمان محبوبًا لهم وزينه في قُلُوبهم وجعل الكفر والفسوق
والعصيان كريهًا مبغوضًا لهم فلأجل ذلك صاروا راشدين، وجعله صاحب الكَشَّاف مَفْعُولًا له للرشد
باعْتبَار أنه كناية عن التحبيب حَيْثُ قال فإن قلت: من أين جاز وقوعه مَفْعُولًا له والرشد فعل القوم
والفضل فعل الله والشرط أن يتحد الْفَاعل؟ قلت لما وقع الرشد عبَارَة عن التحبيب والتزيين والتكريه
مسندة إلَى اسمه تقدست أسماؤه صار الرشد كأنه فعله، فجاز أن ينتصب عنه. يعني يصير الرشد كناية
عن التحبيب والتزيين لأن الرشد دل عَلَى تحبيبهم وتحبيبهم عَلَى أن اللَّه حبب إليهم. قال صاحب
الانتصاف: قد بينا أن الرشد مخلوق لله تَعَالَى فلا سؤال من هذا الوجه بل من جهة أن الله تَعَالَى
خاطب خلقه باللغة المعهودة وفيها نسبة الْفعْل إلَى الْفَاعل حَقيقَة كان أو مَجَازًا، فزيدٌ في مات زيد
فاعل وقد نسب الرشد إليهم عَلَى أنهم فاعلوه وإن [كان] مَجَازًا في الاعتقاد فتحبيب عنه بجواب
الزَّمَخْشَريّ أو بأن الرشد هَاهُنَا يستلزم كون الله مرشدًا؛ إذ هُوَ مطاوع أرشده [فتصح] المطابقة وهو
عكس قوله (يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا) لأنهم هناك مَفْعُولون في معنى الْفَاعلين فصح بواسطة استلزام
المطاوعة فتصحح مسألة البرق بتقدير الْمَفْعُول ويصحح هذه بتقدير الْفَاعل. تم كلامه. فلعل تقدير
الأول هُوَ الذي يريكم البرق فرأيتموه خائفين وطامعين، وتقدير الثاني أُولَئكَ هم الراشدون بأن
أرشدهم الله فضلًا ونعمة.