فهرس الكتاب

الصفحة 9505 من 10841

قوله: (فإن الْمُؤْمنينَ كنفس واحدة) بيان وجه التَّجَوُّز والاسْتعَارَة كما مَرَّ بَيَانُهُ من أن

بينهم اتصال معنوي يجعل الأشياء الكثيرة واحدًا كالاتصال الحسي كالشجرة الطيبة وهي

مع كثرة أغصانها تعد شجرة واحدة لاتصالها بعضها بعضًا.

قوله: (أو لا تفعلوا ما تلمزون به) فحِينَئِذٍ لا اسْتعَارَة في أنفسكم، والفرق بينه وبين ما

قبله واضح فالتَّجَوُّز في قوله (لا تلمزوا) فهو مجاز بذكر المسبب وأريد السبب فهذا وجه ثانٍ

لكنه خلاف مذاق الْكَلَام ولذا أخَّره. قال صاحب الكَشَّاف: وهذا بعيد عن هذا المساق ألا

[ترى] إلَى قَوْله: (ولا تنابزوا) يعني أنه ليس بمناسب لقوله (ولا تنابزوا)

وَأَيْضًا هذا الْمَعْنَى إنما يحسن إذا كان اللمز بما خالف الشرع، وأما إذا كان بما وافق الحق

كما هُوَ دأب بعض السفهاء فلا يصح هذا الْمَعْنَى قال تَعَالَى:(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ

الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ)الآيات. [فدلت] هذه الآيات أن اللمز قد يكون بما

يكون حقًا وصوابًا لزعم السفهاء أنه ليس بحق فلا يصح هذا الْمَعْنَى عَلَى إطلاقه، ولا يقال:

ثم لا يبعد أن يكون الْمَعْنَى ولا تلمزوا غيركم فإن ذلك يكون سببًا لأن يبحث الملموز عن

عيوبكم فيلمزكم فتكونون لامزين أنفسكم لأن علة النهي ليس ما ذكر بل علته كونه أذى

للناس قال تَعَالَى (وَيْلٌ لكُلّ هُمَزَةٍ لمزة) وهذا الوعيد الشديد ليس لما ذكر

وهو ظاهر. قال الْمُصَنّف في قَوْله تَعَالَى:(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ

عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)الآية. وفيه دليل عَلَى أن الطاعة إذا أدت إلَى معصية

راجحة وجب تركها فإن ما يؤدي إلَى الشر شر انتهى. وما نحن فيه ليس من هذا القبيل بل

اللمز في نفسه معصية سواء أدى إلَى ما ذكر أو لا.

قوله: (فإن من فعل ما [يستحق] به اللمز فقد لمز نفسه) أي فقد تسبب للمزها فكأنه

لمزها. قوله فقد لمز نفسه تشبيه بليغ.

قوله: (واللمز الطعن باللسان. وقرأ يَعْقُوب بالضم) وأصله الطعن بنحو السنان ثم

استعمل في الطعن باللسان لأنه أشد من اللمر بالسنان ولذا قيل:

جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا التِئَامٌ ... وَلا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ الِّلسَانُ

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *

قوله: فإن الْمُؤْمنينَ كنفس واحدة. تصحيح لمعنى إضافة الأنفس إلَى ضمير المخاطبين فإن

لمز مؤمن مؤمنًا آخر كلمزه نفسه؛ لأن الْمُؤْمنينَ لعلاقة الاتحاد في الإيمان كنفس واحدة فنهوا عن

لمز أنفسهم بهذا الْمَعْنَى، فالْإضَافَة عَلَى هذا إضافة مجازية واللمز حَقيقَة. قال الزَّمَخْشَريُّ رحمه الله:

والْمَعْنَى وخصوا أيها الْمُؤْمنُونَ أنفسكم بالانتهاء عن عيبها والطعن فيها، ولا عليكم أن تعيبوا غيركم

ممن لا يدين بدينكم ولا يتسير بسيرتكم. ففي الْحَديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"اذْكُرُوا الفاجر بما فيه كي"

يحذره النَّاس". تم كلامه. وفيه لمحة إلَى مذهبه من أن الفسق لا يجتمع مع الإيمان."

قوله: أو لا تفعلوا ما تلمزون به. فعلى هذا تكون الْإضَافَة حَقيقَة واللمز مَجَازًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت