الاستحكام وهي مخصوصة بالعقل ولذا قال في عقله ورأيه. قوله ذو مرة من أمرت الحبل
إذا أحكمت فتله قيل فهو كناية عن ظهور الآثار البديعة؛ إذ وصف الْمَلَائكَة بمثله غير ظَاهر
والْجُمْلَة الأولى تفيد ظهور الآثار البديعة فهي كناية عن ذلك الظهور، فقوله ذو مرة لبيان
استحكام الْقُوَّة الْعَقْليَّة وزيادتها فإن للْمَلَائكَة قوة عَقْليَّة فقط وأنهم متفاوتون فيها وأمين
الوحي كامل في تلك الْقُوَّة الْعَقْليَّة، ولهذا عين لتبليغ الوحي فهذا الْكَلَام إشَارَة إليه فلا جرم
أن وصف الْمَلَائكَة به عَلَى ظاهره.
قوله: (فاستقام على صورته الحقيقية) عطف عَلَى (عَلَّمَهُ) بالفاء لأنه تفصيل له فهو
عطف المفصل عَلَى المجمل فإنه إلَى قَوْله: (ما أوحى) بيان لكيفية التعليم
على تقدير كون الضمائر كلها لجبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ كما هُوَ المختار.
قوله: (التي خلقها الله تَعَالَى عليها) دون السُّورَة التي كان يتمثل بها وهي صورة
دحية الكلبي كلما نزل بالوحي وذلك أن رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ أحب أن يراه في صورته
التي جُبل عليها وكان عَلَيْهِ السَّلَامُ بحراء فطلع له جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ من المشرق إلَى
المغرب وملأ الأفق الأعلى وهو أفق الشمس فخر رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ فنزل جبْريل عليه
السلام في صورة الآدميين فضمه إلَى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه كذا في الإرشاد.
والانتقال من صورة إلَى صورة طريقه مبين في سورة طه في انقلاب العصا حية.
قوله:(قيل ما رآه أحد من الْأَنْبيَاء في صورته غير محمد - صلى الله عليه وسلم - مرتين مرة في السَّمَاء
ومرة في الْأَرْض)الْحَديث من رواية الترمذي عن عائشة - رضي الله تَعَالَى عنها - ولكنه ليس
فيه أن أحدًا من الْأَنْبيَاء لم يره عَلَى صورته الأصلية، ولذا لم يرضه الْمُصَنّف فإن الذي جنح
إليه أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ رآه عَلَى صورته مرتين مرة في السَّمَاء ومرة في الْأَرْض وليس فيه نفي
رؤية غيره من الْأَنْبيَاء عليهم السلام، ولهذا قال ابن حجر لم أجده هكذا في الكتب المعتمدة
كذا قيل. والسكوت في معرض البيان قد يفيد الحصر وبيان رؤيته عَلَيْهِ السَّلَامُ دون رؤية
غيره من الْأَنْبيَاء يؤيد ما قيل فلا تغفل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الحبل إذا [فتلته] كأنه محكم [الفتل] . وروي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما ذو مرة والمرير والممر
المفتول ومنه فلان ذو مرة يعني ذو منظر حسن. قال الطبري: هُوَ الصواب يعني صحة الجسم
وسلامته من الآفات وإذا كان كَذَلكَ كان قويًا، ومنه الْحَديث"وَلا [لِذِي] مِرَّةٍ سَوِيٍّ"وعن سعيد بن
المسيب ذي حكمة لأن كلام الحكماء متين.
قوله: ما رآه من الأنبياء أحد في صورته غير مُحَمَّد عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في حديث من أخبر
أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية. لكنه رأى جبرائيل عَلَيْهِ السَّلَامُ ولم يره في صورته إلا مرتين
مرة عند سدرة المنتهى ومرة في الْأَرْض له ستمائة جناح وقد سد الأفق. وفي المعالم: إن جبرائيل
كان يأتي رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين فسأله
رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم أن يريه نفسه عَلَى صورته التي جُبل عليها فأراه نفسه مرتين
مرة في الْأَرْض ومرة في السماء، فأما في الْأَرْض ففي الأفق الأعلى، والْمُرَاد بالأعلى جانب المشرق