بالذال الْمُعْجَمَة بعدها باء موحدة بمعنى غلبت (فصاحة كل مِنطيق) بكسر الميم من صيغ
المُبَالَغَة من النطق وهو البليغ الكثير النطق وفيه إشَارَة إلَى رد من قال إن إعجازه بالصرف
وجه الرد ببيان أن بلاغة الْقُرْآن في المرتبة الأعلى لا يقدر عَلَى إتيان مثله الأدنى والأعلى لا
أنه يقدر ولكنه تَعَالَى صرفه فإن هذا كَمَا سَبَقَ مخالف لما دل عليه ظَاهر هذه الآية الكريمة.
قوله: (وإفحامه) بالفاء والحاء المهملة إسكات الخصم بالحجة حتى يسود وجهه
ويصير كالفحمة وهو باعْتبَار أصله مُسْتَعَار للإلزام ثم شاع فيه فصار حَقيقَة اصْطلَاحية
مَعْطُوف عَلَى فصاحته عطف المعلول عَلَى العلة لكن سببية الْمَعْطُوف عليه للإعجاز في
الخارج وسلبية الْمَعْطُوف في الذهن فاضمحل ما قيل إن عظمه عَلَى فصاحته يقتضي أن
يكون إفحامه من طولب سببًا لإعجازه وليس كَذَلكَ بل الأمر بالعكس فإن الإعجاز سبب
في الخارج للإفحام وهو سبب للعلم بالإعجاز وهذا مطرد في الْأَسْباب الخارجية
والمسببات (من طولب بمعارضته) .
قوله: (من مصاقع الخطباء) جمع مصقع بكسر الميم وقع القاف اسم فاعل للمُبَالَغَة
كمجذم؛ إذ هذه الصيغة مشتركة بين الآلة واسم الْفَاعل وهو يطلق عَلَى البليغ وعلى العالي
الصوت وعلى من لا يربخ عليه كلامه فعلى الأول من إضافة أَحد المتماثلين إلَى الآخر إذ
الخطيب بمعنى البليغ أَيْضًا فالْمُنَاسب الحمل عَلَى أحد الأخيرين بل الأولى حمل الخطيب
على العالم وإضافة الصّفَة إلَى الْمَوْصُوف (من العرب العرباء) أي الخلص منهم من قبيل
ظل ظليل فإنهم إذا أرادوا المُبَالَغَة في شيء يأخذون من لفظه صفة ويؤكدونه بها. كذا قاله
الإمام المرزوقي فإسناد العرباء إلَى العرب مجاز.
قوله: (مع كثرتهم وإفراطهم في المضادة) مفاعلة من الضد بمعنى المعاندة
(والمضارة) مفاعلة من الضرر (وتهالكهم) أي شدة حرصهم (عَلَى المعازة) بالزاي الْمُعْجَمَة
المغالبة (والمعارة) بالراء المهملة المخاصمة من المعرة وهي المكروه مفعلة من عرَّه إذا
عراه ما يكرهه (وعرف) عطف عَلَى ذكر (ما يتعرف به إعجازه) حيث أمر أمر تعجيز
بالمرتابين بالمعارضة وأرشدهم إلَى أن يبذلوا تمام وسعهم والاستعانة بكل من ينصرهم
ويعينهم فإن عجزوا ويكونون عاجزين ألبتة لزمهم الاعتقاد والإقرار بأنه كلام الله الملك
الغفار (ويتيقن أنه منْ عنْد اللَّه كما يدعيه، وإنَّمَا قال(مما نزلنا) يعني اختار
صيغة التفعيل المفيد للتدريج عَلَى أصله لكون بنائه للتكثير عَلَى الْإنْزَال الخالي عن ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: وعرف عطف عَلَى ذكر قوله: ويتيقن أنه منْ عنْد اللَّه كما يدعيه. أي ويتيقن أن الْقُرْآن
منْ عنْد اللَّه كما يدعيه مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - حيث ادعى عَلَيْه الصَّلَاةُ السلام أنه نبي مرسل وما جاء به وحي
من الله تَعَالَى.
قوله: (وإنما قال(نزلنا) أي قال (نزلنا) عَلَى صيغة دالة عَلَى التدريج دون
أنزلنا الدال من حيث الوضع عَلَى النزول مُطْلَقًا.